د.الزاوي التادلي


بالتأمل في مختلف أشكال التدبير ومعالم التفكير ندرك أن بلادنا تعيش غربة مكانية وزمانية؛فأما المكانية فتظهر في موقعنا ضمن الصراع المحموم الذي يعرفه العالم حول سبل التقدم؛ إنفاق لامحدود علي البحث العلمي وتغيير مستمر في بنية النظم التعليمية لكسب رهان التنمية،وانخراط كلي في مجتمع المعرفة، وسعي بخطى ثابتة لتثبيت كل منتجات الكنولوجيا ومعلوماتها، حيث يظل مكاننا باهتا على هذا المستوى، بسبب اختيارات الحكومة ومن يدور في فلكها. فكل مؤشرات اليوم تكشف لكل ذي عقل أننا دخلنا في دوامة لم نجد سبل الخلاص منها؛ في مناهجنا التعليمية انخرطنا في قيم الدين بدون قيود، وجعلناها أول القيم وأساسها، حيث يمر كل جديد في حياتنا بجمارك الدين وضوابطه مهما في ذلك من تعسف. (هل الأنترنيت مقبول دينيا، وقبله هل يسمح الدين بأن تزور المرأة رجلا طبيبا، وهل يحق لها أن تسافر لوحدها، وهل يحق أن نأكل باليمنى، وهل السينما والأغاني مسموح بهما… ). أصبحنا لا نفكر إلا دينيا. عقولنا مقيدة، وقيودنا معقدة في الأمور الاجتماعية والفردية. نعرض في أكلنا ونومنا ولباسنا وسعينا وكسبنا وتفكيرنا على الرقيب الديني ذي الهوية الملتبسة، ليسمح لنا أو نمنع، في وقت ننظر فيه إلى حركية العالم حولنا في اتجاه التقدم، لنضطر في النهاية إلى اعتبار وضعنا قدرا مقدورا، ونلوذ من ثم بالدعاء إلى الله لتخليصنا مما وقعنا فيه.
وأما الزمانية فتتمثل في تراجع عقرب حياتنا إلى الخلف، حيث بعد ما أبداه مجتمعنا من رغبة في التقدم مع جيل الستينيات والسبعينيات حين كان محور التفكير هو السؤال عن التقدم وآلياته، وكان الإبداع مطلبا حيويا رغم شح الامكانيات ،مع ما لذلك من انعكاس على مؤشرات التنمية ومن مساهمات في خلق الثروة والتفكير الإيجابي في توزيعها، هانحن نعود القهقرى حين بات الساسة مهووسين بكيفية اقناعنا بما نحن فيه وما يمكن أن نؤول اليه، بل تجرؤا علينا وهجموا على قوتنا ليجعلونا نطالب بالعودة إلى واقعنا رغم بؤسه(لا زيادة في الأجور، هجوم على التقاعد، ضرائب مستمرة، أشكال تضامنية مفروضة ومغلفة بالدين، صندوق التماسك، التعاضدية والوالدين، الأرامل… ). غربة زمانية لأن القطار اتجه عكس ما كان يسير نحوه، وأصبح مستقبلنا متخلفا عن ماضينا؛لا زيادة في الأجور، لا تحسين للخدمات، لا تحسن في مناخ الأعمال، لا تحسن في الحرية والديمقراطية. تفكير متوحش في تأمين مستقبل الساسة وإضعاف لآمال أبناء الطبقة الوسطى، مع ما في ذلك من تهديد لأمن النسيج الاجتماعي الذي ضعفت فيه كل الوساطات، وضعف معها الإيمان بها.
الدين مطلب روحي وشرط لأمن الانسان الوجودي، لكنه حين يصبح أساس كل تفكير ووسيلته يخلق وضعا اشكاليا لا يميز بين الايمان والوجود، ليفتح شهية المغرضين على لبس الحقيقة بالكذب ويمنع الضعفاء من اعمال العقل في فهم حياتهم وتدبرها. لنميز بين الوسيلة والغاية، وكل اتجاه غير هذا نزوع لتدمير الانسانية وطموح الانسان.
ولتفسير تصويت النواب ضد تشجيع البحث العلمي لا يمكن أن نعثر على الحقيقة الا في استراتيجية المسئولين في الحكومة القائمة على محاربة العلم والعالمين ليظل حيز حركتهم مفتوحا للمزيد من التدجين. فهم لا يحبون البحث العلمي ولا أهله لما في ذلك من خطر على وجودهم، لذلك أقل ما يفعلون هو الحفاظ على الوضع القائم بالرفع من تعويضات جاهل وتعسير حياة متعلم. قد نقبل هذا على مضض،لكن أن يشارك في تكريسه من نال من المعرفة حظه، فتلك أم الانتهازية والوصولية.
ولنا عودة مرات كثيرة مع العائدين إلى النواب المدعمين للجهل حماية لمصالحهن ومصالحهن.