إدريس قدّاري /فاعل مدني وإعلامي

اشتقنا لزمن النقاء والصدق، زمن إن اجتمعت فيه جماعة إلا ليتعلم أفرادها ويتقاسموا تجاربهم، ويبحثون، مجتمعين، عن مخرجات المواقف والمستجدات الواقعية، بكل أريحية وعفوية..، معبرين عن روح التضامن والتآزر..، مشجعين بعضهم البعض… وما كان الإنسان تاما مكمول المعارف والمحاسن…
ذهب زمان الذهب، وبقي الصدأ يعفن ويسمم أغلى وأنبض روح إنسانية؛ التي ليست إلا جوهر وهوية الإنسان وسط محيطه، والتي هي التقارب والإعتراف…، وسط ما يسمى به الإنسان “إجتماعي بطبعه”؟!
لم تعد الجماعة، بجميع أحجامها، تستسيغ الفرد، رغم حضوره اليومي داخلها، فأصبح “شبحا” مهملا، مهما علا ميزه وتميزه، وعاد مجرد رقم؛ قد تضعه، جماعته، في المذكرة كما في لائحة “أصدقاء” شبكات التواصل الإجتماعي وحتى في ذاكرة الهواتف الخاصة…
والحديث هنا نركزه على الأفراد المميزين والكفاءات داخل الجماعات؛ فكم من علماء ومخترعين، وباحثين وفنانة ومبدعين ومفكرين ومتفوقين في كل المجالات…، تقام لهم الدنيا وتقعد خارج الجماعة، وداخلها لا أثر يذكر، اللهم بعض المجاملات والذكريات العابرة؛ فتبقى الجماعة مكرسة لقول “مطرب الحي لا يطرب”..
ويبقى هذا المطرب/الفرد النشيط، في الجماعة الناكرة له ولقدراته، الباحثة عن إشباع حاجاتها من خارج دائرتها؟!، يبقى يصارع لوحده صراعه الأفقي، باحثا عن مخرجاته داخل الجماعة الكبيرة (المجتمع/الوطن)، حتى إن لم تنصفه، يركب أمواج الهجرة خارج حدودها، لتحقيق ذاته والإجابة عن تطلعاته وصقل موهبته وتحسين أوضاعه الإجتماعية والإقتصادية والفكرية، وكذلك السياسية والحقوقية التي قد تكون السبب الرئيسي في تشتيت أصول الجماعة وزحزحة ركائزها وبعثرة هويتها عبر سيرورة زمنية ليست بالهينة…
فهل سيستفيق أعضاء المجموعات وأعلامها لإستعادة الروح اللازمة لإنعاش وسيادة التضامن والإعتراف بين أفرادها؟ أم أن هذه الروح ستبقى مجرد مخيلة في الذاكرة الجماعية وتراث لا مادي غير مُسْتَثمَر؟ وبالتالي تشجيع انتشار الممارسات والسلوكات الغريبة والدخيلة على الجماعة، عبر ما يجلبه “المطربون” الأجانب في “حقائبهم”، التي يعودون بها ملأى بالمال وبما لذ وطاب، لأنفسهم ولجماعتهم، مقابل حرمان “مطربي” الأحياء من الخيرات المحلية؟!
وهل ستلعب النخب دورها في مواجهة هذه الظاهرة، التي تجاوزت أسقف عدم الإعتراف بالطاقات المحلية، إلى نشوب حروب هامشية للطعن في الكفاءات وتمييع الأجواء العامة عبر نشر الخزعبلات الرقمية والدعايات المضادة من هنا وهناك؟؟
هي أسئلة وأخرى قد يدقق فيها ذوي الإختصاصات في علم الإجتماع والسوسيولوجيا والقانون السياسي والإقتصاد السياسي..، وتبقى على عاتق كل القطاعات الرسمية، وخصوصا تلك المعنية بتطوير وتنمية المجتمع والمشارِكة في مخططاته الإستراتجية. كما أنها قضية ترافعية لدى الهيآت المدنية والحقوقية والإعلامية، لما لهذه التساؤلات من دور في استفزاز الوجود الجماعي، المبني على تحصين الهوية المشتركة وتطوير آليات التواصل بين الأفراد، بالجماعة الصغيرة والكبيرة، بما يخدم الفرد ومن تم المجتمع، الذي يبقى في الأول والأخير محتاج لكل عناصره وكفاءاته في إطار الإستثمار البشري المنتظر وتقوية القدرات الذاتية، التي هي أساس كل نوع من التنمية…