الأستاذ أحمد خليلي

كشفت الاستقالات الجماعية الأخيرة لشبيبة حي يعقوب المنصور بالرباط عن حالة غليان غير مسبوق يشهدها حاليا حزب التجمع الوطني للأحرار، أبرز عناوينها الاستقالات المتتالية لعدد من القياديين والمنخرطين بعدد من المدن والأقاليم وفي أوساط الجالية بالجهة رقم 13، وهو الأمر الذي اعتبره جل المتتبعين للشأن السياسي ضربة موجعة للحزب بعدما اعتقدنا أن الروح عادت إلى جسده عقب إطلاق الشباب لشرارة العمل المؤسساتي بالمنظمات الموازية.
وعرفت بوادر الأزمة الداخلية منذ أن تحسس المسؤولون بعض التماهي والتساهل مع سلوكهم المناقض لخيار مأسسة الحزب وتفعيل الديمقراطية، فأقدموا على نهج أسلوب الإبعاد والتضييق على المتخالفين معهم في الرأي ودفعهم إلى الانسحاب والاستقالة ومن تم بسط نفوذهم والتحكم بدواليب الحزب، وذاك كان لب الأزمة ومحورها الأساسي.
وضع يحيلني على ما قاله رجل تجمعي يخفي إيمانه في إحدى اللقاءات، حيث اعتبر بأن قضية تجديد النخب أم المعضلات في الحياة السياسية وتتطلب معارك كبرى لهدم الأصنام، فأين نحن من تجديد النخب وتشبيبها بحزب التجمع ؟، وكما قال جلالة الملك في خطابه في افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان، “ماذا أعددتم من نخب وبرامج” ؟، وهل سنرى نفس الشيوخ يتقدمون ثانية للمعترك السياسي ؟، وكيف لشاب يتجرأ على التفكير على خوض غمار المنافسة الجماعية أو الجهوية والمنطق ألولائي والعائلي والمالي مازال طاغيا ؟، وهل هذا الشباب سيقبل بدور ثانوي في المشهد الانتخابي المقبل ؟ وهل ستكشف لنا الأيام بالتجمع عن إرادة حقيقية في التغيير أم سيتوطد التحالف ما بين النخب والأعيان بكل ما سينتج عن ذلك من سلبيات وعزوف شبابي كبير ؟…
أسئلة تطرح في ظل غياب عامل القيادة الموحدة الجامعة والتي من المفروض أن لها رؤيا وإستراتيجية وإمكانات لتدبير المرحلة والحسم مع القضايا الخلافية المطروحة حتى لا يستمر الشتات والتفرقة في فعل الاستقالات، فلا يحق ابتذال الاستقالات المتتالية وقراءتها من زاوية التدافع الشخصي أو تفسير ذلك بالحراك الشبابي المحمود، بل هي مناسبة للخوض في أبعاد هاته الاستقالات وأسبابها الموضوعية، وإذا كان لا مناص من الإقرار بصلاحية المسؤولين المحليين فمن الموضوعية أيضا الاعتراف بأن الاحتقان الداخلي هو تجل لوضعية مشتعلة قابلة للانفجار الكبير وقودها غياب العدل وانعدام الإنصاف.
وضعية الحزب الحالية تسبح في سياق تراجع ديمقراطي وما يقع يترجم شيئا واحدا هو استبدال مبدأ المكافأة على أساس النضال والاستحقاق بقاعدة التقرب من صاحب القرار، الشيء الذي أنتج طبقة ريعية أصبحت قوية ومؤثرة في القرار الحزبي، وميالة إلى استدامة الممارسات الريعية (التزكيات، المهام الانتخابية، التوريث السياسي، المناصب، العلاقات، …)، وتعمل جاهدة على إلهاء الجو العام بنقاش مغلوط وبمعارك جانبية مع الخصوم لصرف النظر عن مخططات تهميش الطاقات وإقصائها، وطبيعي أن يتراجع الكثيرون عن النضال إذ لا يمكن لأي أحد أن يشتغل لتستفيد الطبقة الريعية، وهذا بالضبط ما أدى وسيؤدي إلى الاستقالات للكثير من الكفاءات والطاقات التي جذبها وهج البداية في مشروع بدا قويا لكن سرعان ما تعطل في نصف الطريق.
الدار البيضاء في 4 يونيه 2020