بقلم الأستاذ أحمد خليلي

لاشك أن حال حزب التجمع الوطني للأحرار قبيل 2016 تمثل في ضعف الأداء الذي انعكس سلبا على نتيجة الانتخابات مما حال دون تحقيق إزاحة البيجيدي عن موقع الريادة، من هنا كان مجيء الرئيس عزيز أخنوش للقيام بما يتطلب الأمر لخلق المناخ الملائم لتفعيل دور الحزب وتجاوز الموروث الثقيل.
ففي ظل واقع سياسي موسوم -وإن بدرجات مختلفة- بضعف -إن لم نقل- غياب قيمة المناضل وانكماش مجالات ممارسته للسياسة بحزب التجمع، ومصادرة حقه في إبداء الرأي والاختلاف والتدرج في مواقع المسؤولية، وإقصائه من فضاء المنافسة والترشح واستباحة ذلك حصرا لفائدة الفروع والأصول ودوي القربى (لائحة الشباب)، استبشر الجميع بقرب استنشاق عبير التغيير لاستنبات قيمة الديمقراطية الداخلية بالحزب واستوطانها لتكون ركيزة الأفق الإصلاحي.
سمح بتكوين الهياكل لكنها ظلت مقيدة بهوى المنسقين المحليين، فعانت الشبيبات ومنظمات المرأة ما عانت من الإبعاد والتضييق، وظلت تلك الهياكل بعيدة عن الهدف والدور الحقيقي لقيامها، وظل المبتغى إنشاء ديكور ديمقراطي لا يسمح مطلقا بالمشاركة في صنع القرار أو إبداء الرأي، بل وضعت العراقيل أمام حركة الشباب للحد من حريتهم واستبعادهم من كل آليات التنافس السياسي.
وكان طبيعيا جدا أن يتحرك المناضلون وجهة القيادة الجديدة ليكشفوا حجم المعاناة والصعوبات التي تفاقمت جراء غياب الديمقراطية داخل التنظيم، والمطالبة بضرورة التعجيل بالإصلاحات المطروحة بإلحاح ليغذو الحزب قادر على التعبير عن تطلعات المجتمع، ومن تم توفير مستلزمات النجاح من خلال دفع الناس إلى التصديق بنبل الخطابات والإيمان بمؤسسة الحزب لبناء الوطن وخدمته والدفاع عنه.
بعد أربع سنوات بدأت الطريق تبدو بلا نهاية للوصول إلى محطة 2021 (إن لم يرجأ التاريخ إلى أجل معلوم) في ظل عدم توفير متطلبات هذا الوصول وغياب الوعي التام بأهمية مطالب الأغلبية المستبعدة داخل الحزب، والمتاح السائد اليوم يشكك في جدوى وأهمية التحزب والتصويت، بل إن القاعدة العريضة من الناخبين تنفر تماما من اللعبة وترى فيها تحقيق لمصالح ذاتية وسبيلا للارتزاق والتسلق والشهرة والحصول على الامتيازات.
لقد أدى التضييق على المناضلين المخالفين لأهواء المسؤولين بالعديد من المناطق بطبيعة الأمر إلى ضعف التواصل مع المواطنين الذين يرون في المناضلين المقهورين أنفسهم في حال انضمامهم إلى الحزب، ويرون في ذلك مضيعة للوقت والجهد وحرق الأعصاب، وهذا يحيلنا على نوعية الملتحقين مؤخرا توازيا مع توزيع القفة دون الدخول في حيثيات تسجيلهم التي أثارت الكثير من التساؤل.
في ذات السياق وجبت الإشارة بأن مراسلات عديدة يتوصل بها رئيس الحزب من القاعدة، وقد يعتقد الكثيرون مثلي أنها شكاوى تكشف عن جانب من سوء التسيير الحزبي والمشاكل التنظيمية المعقدة ببعض المدن والأقاليم وتعبر عن الآراء والمواقف والأطروحات والبدائل والنظريات السياسية، لكن المفاجأة أن 90 في المائة من تلك المراسلات هي لاعتبارات شخصية تتعلق بأصحابها، حسب مصدر الأسبوع الصحفي، وهذا يحيلنا على نوعية (مناضلي كوكوت مينوت) الذين سنعول عليهم غدا.
المشهد السياسي/التنظيمي بحزب التجمع يستقرئ واقعاً يسير في الاتجاه المعاكس لمتطلبات التغيير، فهو مشهد يتسم بوجود قيادات مستبدة ما زالت قائمة تحترف التضليل، وبديمقراطية غائبة أو مغيبة قسرا، وما زال يشهد تجاوزات صارخة ضد النشطاء التجمعيين بالعديد من الجهات من إبعاد وتهميش قسري فضلا عن حملات التشويه التي يمارسها المسؤولون الحزبيون في حقهم (اتحادية مولاي رشيد نموذج) وبالتالي لا يوجد ما يمكن أن نقول عنه المشروع الإصلاحي للحزب.
إن أخطر ما يمكن أن يدعم هشاشة الاستقرار النسبي اليوم هو استمرار عدم التجاوب مع الإشارات القادمة من القاعدة بمختلف المناطق، خصوصا في الشق المتعلق بالإصلاح التنظيمي الحقيقي والمستعجل، هذا التجاهل سينتج عند تزايد جرعة اللامبالاة ما يمكن تسميته بالاغتراب السياسي للمناضل والذي قد يتمظهر في فقدان الثقة في السياسة كليا، لعدم قدرة هذه الأخيرة على الاستجابة للحد الأدنى من متطلباته ألا وهي دمقرطة الحياة السياسية بالحزب، فهل هي مطالب تعجيزية أو مستحيلة ؟.
مولاي رشيد في 28 مايو 2020.