الحمد لله العظيم في قدره ، العزيز في قهره ، العليم بحال العبد في سره وجهره ، يسمع أنين المبتلى المكروب عند ضعف صبره فيجود عليه بعونه ونصره ، فله الحمد على القدر خيره وشره ، و له الشكر على القضاء حلوه ومره .
يقول الحق سبحانه في محكم التنزيل { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } (البقرة 186) ، وفي آية أخرى قال تعالى { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (غافر 60) .
وكما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي أنه قال فيما يرويه عن ربه تعالى ( قال الله عز وجل : يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي … ) رواه الترمذي ، ويقول المصطفى ﷺ ( إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين ) رواه الترمذي وأبو داوود .
وكما لا يخفى على أحد فإن الدعاء هو لب العبادة أو كما قال رسول ﷺ ( إن الدعاء هو العبادة ) رواه البخاري في الأدب المفرد ، بل إنه يكون سببا في استجلاب معية الله للعبد كما جاء في الحديث القدسي عن النبي ﷺ أنه قال ( يقُولُ اللَّه تعالى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعهُ إِذَا دعاني ) متفق عليه.
و مما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب ، أنه قال ” أنا لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء ، فإذا ألهمت الدعاء فقد أعطيت الإجابة “.
فللدعاء عظيم الفضل في حياة العبد به يعطي الله بفضله ما يشاء من مطلوب ويصرف عنه برحمته وحكمته ما يشاء من خطوب سيما إذا اجتمع فيه خشوع القلب واضطرار العبد فيصير بذلك سهاما لا تكاد ترد أبدا ولا يصدها أحدا .
قال الإمام الشافعي في درره :
أَتَهْزَأُ بِالدُّعَاءِ وَتَزْدَرِيهِ وَمَا تَدْرِي بِما صَنَعَ الدُّعَاء
وشريعتنا السمحاء حافلة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية في فضل الدعاء ، فهي أعرف من أن تذكر وأشهر من أن تنكر ، ولكن ما يستوقفنا منها في هذا المقام هو تلك الواردة في فضل أثر الدعاء في دفع الخطوب والمنايا وكشف الكروب والبلايا .
فبقدر عظم البلاء يعظم معه فضل الدعاء ، فيصير الإنسان أحوج ما يكون إلى طرق باب السماء بالدعاء عند الشدائد والمحن ، فإذا ما انقطعت عليه الحيل والأسباب ،و صدت في وجهه السبل و الأبواب ، لا يبقى أمامه سوى التضرع إلى الله المغيث مسبب الأسباب ، دافع الأخطار والنوائب ، رافع الأضرار والمصائب ، كاشف الأسرار والعجائب .
ألسنا بغير الله ضعفاء والله هو القوي ، سبحانه عظيم الصفات والأسماء .
يقول الله أعز من قائل سبحانه { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ * أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِۚ } (النمل 62) و يقول سبحانه { قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} (الأنعام 63-64).
فصدق اللجوء إلى الله تعالى وحسن الظن به ، مع الأخذ بالأسباب المطلوبة والأمور المرغوبة حتما سيهدأ كل توجع ، و يسكن كل تفجع ، أما الفزع والجزع فلا ينشران مطويا ولا يردان حتما مقضيا .
ومن فضل الدعاء في دفع البلاء ما روي عن النبي ﷺ أنه قال ( لا يرد القدر إلا الدعاء ) رواه الترمذي وابن ماجه ، وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام ( الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء) رواه الحاكم .
وقد روي عن النبي ﷺ كذلك أنه قال ( لا ينفع حذر من قدر ، وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ) رواه الطبراني .
والدعاء كما جاء عن ابن القيم الجوزية أنه ” من أنفع الأدوية فهو عدو البلاء يدفعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن ” الداء والدواء .
وخير الدعاء ما كان خالصا خفيا ، في خضوع وخشوع ، قال تعالى {‏‏وادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} (الأعراف 55) .
ولطالما كان الدعاء سلاح الرسل و الأنبياء ، و كذلك نهج الأتقياء في سائر الأزمنة والعصور ، فكان دعاؤهم بعد الأخذ بالأسباب طوق نجاتهم من مهمات الأمور و نوائب الدهور ، فكانوا يستدفعون عنهم أمواج البلاء بالتضرع لرب البريات بأصدق الدعوات ، فصاروا بذلك نبراسا في الحياة ، يقول سبحانه و تعالى { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (يوسف 111) .
فبالدعاء نجى الله من الغرق موسى ، ونجى به صالحا وأهلك ثمودا ، وأظهر هودا وأدل عادا ، به وهب الله لزكرياء الولد بعد طول زمان و صخر به الريح لسليمان ،و به رد الله يوسف إلى يعقوب و كشف البلاء عن أيوب .
فهذا سيدنا نوح عليه السلام يحكي القرآن عن تذرعه إلى الله تعالى فقال عنه سبحانه { وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } (الأنبياء 76) .
وهذا سيدنا أيوب إذ قال عنه الحق { وأيّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} (الأنبياء 84) .
وهذا سيدنا يونس بن متى الذي ناجى الله وهو في بطن الحوت إذ قال عنه الحق سبحانه { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ } (الأنبياء87-88 )، وفي آية أخرى قال عنه تعالى { فَلَولَا أَنَّهُ كَانَ مِن المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطنه إِلَى يَوم يُبعَثُونَ } (الصافات 144) تأكيدا منه تعالى أن دعاءه وتسبيحه كان سببا عظيما في نجاته من كربه وبلاءه ، وفي سياق الحديث عن سيدنا يونس نستحضر حديث رسول الله ﷺ حيث قال ( دعوة أخي يونس – لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ – ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه كربته ) رواه الحاكم .
وهذا سيدنا زكرياء الذي لم ييأس من طول الأمد فتضرع لله الصمد بأن يرزقه الولد فقال عنه تعالى { وَزَكَرِيّا إِذْ نَادَىَ رَبّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىَ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } (الأنبياء 89) ، ليخبرنا الله بعد ذلك عن سر استجابة دعائهم وتضرعهم حيث قال سبحانه { إِنّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} (الأنبياء 90) .
أما سيدنا موسى عليه السلام فقد نجاه الله وأصحابه من الغرق و هم في قمة البلاء بحسن يقينه بالله واستنجاده بقدرته النافذة وحكمته البالغة فشق لهم في البحر طريقا يبسا ليس فيه عوجا ، ليضرب للبشرية أروع مثل في ذلك ، وبأن في تقديره سبحانه حكم وفي تصريفه عبر ، يقول الله عز و جل عن ذلك في كتابه الحكيم { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الشعراء 60-68) .
وصفوة القول مما جاء في التبيان من سورة الفرقان هو قوله عز وجل { قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا } (الفرقان 77) .

بقلم بـدر الحلامـي