بقلم الأستاذ لحسن نضان قاض بالمحكمة الإبتدائية بتارودانت

نعم كنا إلى وقت قريب نظنها أضغاث أحلام وفرقعات إعلام وحروب بين الكبار نحن في غنى عنها وبعيدة عن وطننا وقاه الله من كل المحن والآلام، كنا نشهد المأساة في كل القنوات وكأنها في كوكب أخر وزمن أخر، كان الأمر شبيها بأفلام الرعب المحبوكةَ الإخراج والغير متوقع نهايتها… حتى استيقظنا ذات صباح من سباتنا من كوابيسنا من شرودنا

كورونا تدق أبوابنا إنها حقيقة وليست خيال إنها واقع وليست أحلام إنها في المغرب وليست في الصين، كانت الأيام الأولى صادمة وقلة هم من صدّقوها وكأنها من أكاذيب أبريل الذي لم يحن بعد ” أبريل ذاته الذي سئم من نعته بالكاذب وينتظر فرصته هذا العام ليقول الحقيقة ويعلن فيه وجود لقاح يوقف الرعب القاتل”، أومن دعابات العالم الأزرق والأخضر التي تعودنا على ترهات صفحاتها ولكن الساعات المتلاحقة جعلت البعيد قريب والمستحيل ممكن وما كنا نراه في قنوات الآخرين أضحى حديث قنواتنا يتسلل إلى مدننا ويستشري في بني جلدتنا ويدق ناقوسا للخطر
يرن في أداننا وترتعد منه فرائضنا كورونا أصبحت في أيام أكثر اسم يتردد في العالم، أشهر من نجوم هوليود وبوليود ومن لاعبي (الليغا والبوندسليغا).
أصبحت حديث الساعة وكل ساعة حديث العائلة وكل العائلات حديث الحكومة وكل الحكومات حديث قنواتنا وكل القنوات…
كورونا أوقفت الأعمال والأشغال والتجمعات والتظاهرات أوقفت المدارس والجامعات أوقفت حتى حركة السير في الطرقات فرضت الصمت على الجميع وأصبح العالم كقرية خاوية على عروشها لا حياة فيها وكما يقول المثل المغربي الدارج عن الأماكن الفارغة والممتدة (مكاين والو غير الشيح والريح)
كورونا أوقفت عقارب الساعة وكأنها تنذر بقرب نهاية العالم فقد توقفت الصلاة في المساجد والمعابد وتوقفت الحانات والمراقص والملاهي، توقف اللعب واللهو والمرح، توقفت الموسيقى والآلات… وساد صمت رهيب في كل بقاع العالم.
أعتقد شخصيا أن هذا الوباء مرحلة مفصلية بين نهاية زمن وبداية آخر بين الخروج من حالة والدخول في أخرى، بين ظهور أولويات جديدة واندحار سابقاتها. كورونا رغم كل مساوئها وضحاياها رغم شراستها وعنفها تعيد ترتيب العالم من جديد، توقظنا من حالة التخدير تخرجنا من سبات أصحاب الكهف تزييل الغبار المتراكم فوق عقولنا وضمائرنا ترينا حجمنا الحقيقي وتنزع الكبرياء الزائف الذي تباهينا به وتؤكد قوله تعالى: {وَمَا أوتيتم مِنَ العِلْمِ إلاٌ قَلِيلاً} ” كحقيقة مطلقة “.
كورونا…. جاءت لتوقظنا من حالة الثمالة التي كنا نعيشها والغباء الذي كنا نقبع فيه، جاءت لتعيد قطار حياتنا إلى سكته الصحيحة، لترينا الأبطال الحقيقيين في حياتنا والمهمين في عالمنا، لتأكد لنا أن العلماء والفقهاء والدكاترة والأساتذة والقضاة والمحامون والقياد والجنود بمختلف اصنافهم والممرضين والمسعفين والمعلمين هم نجوم الدولة ولآلئها، هم عظماؤها ومركز الثقل فيها لتؤكد مرة أخرى أن العلم نور ما بعده نور والجهل يغمس صاحبه في ظلام حالك، لتبرهن أن نجوم التفاهة ولاعبي التفاهة نجوم من ورق، لتذكرنا بأن الله حق والموت حق وأن الساعة لاريب فيها وأن الإنسان مهما بلغ من قوة وجبروت فإن أصغر جنود الله أقوى من كل جيوشكم العملاقة وعتادكم المخيف. لتعلمنا أننا أخطأنا السير وغرتنا الحياة الدنيا وتبعنا اللعب واللهو واللغو، لتُعلِمنا بالعودة إلى الله وإلى كتابه إلى رشدنا إلى أرحامنا إلى علمائنا إلى مراجعة علاقتنا مع أقربائنا مع الضعفاء والفقراء والمساكين بل ومع أنفسنا أولا…
كورونا قد أعادت قلب الإنسانية لنبض بعد طول توقف…
فصدماتها الكهربائية أعادت الحياة لضمائر الناس وعقولهم للمبادئ الجميلة للقيم الحقيقية. فهذا التعاطف والتآزر والتلاحم الذي بدأنا نشاهده هنا وهناك أقوى دليل على ذلك…
كورونا أكدت تميزنا عن العالم بملك حكيم فضل أبناء شعبه وحياتهم وأمنهم على أموال الدنيا وحساباتها.
كورونا جعلت العديد ينفض الغبار عن كتاب الله ويرتله خوفا وطمعا في النجاة.
وساهمت في ازدياد عدد المستغفرين والمصلين والمتصدقين والمحسنين حتى وإن أغلقت المساجد وسكن صوت الأئمة والخطباء…
وأخرجت جنود الخفاء (العلماء الأطباء الجنود بمختلف أصنافهم وتسمياتهم الدكاترة القضاة المحامون القواد المعلمين والممرضين…) إلى العلن.
كورونا وحدت بين كل (الإلترات) ومشاغبي الملاعب وأوضحت لهم كم كان صراعهم تافه ورديء…
كورونا أفجعتنا بوفاة قاضيتين وأنا أخط هذه السطور أصيبتا بخبتها اللعين (رحمهما الله واسكنهما فسيح جناته)،
فاجعة تبرز مدى تضحيات السادة القضاة ككتائب من جنود هذا الوطن من أجل إحقاق الحق و رفع المظالم.
كورونا تنبهنا وتدعونا لإعادة ترتيب أوراقنا وأهدافنا وأولوياتنا وتوحيد صفوفنا ونبذ خلافاتنا في القريب العاجل.
لعلنا نحْذَر قوله تعالى في سورة الأنعام: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} صدق الله العظيم.