بقلم ذ . رضوان معني ،عضو الودادية الحسنية للقضاة “المحكمة الابتدائية لتارودانت”


غزا ” الكورونا ” بلادنا بلا استئذان ولا استحياء ، فجعل الناس تدخُل مساكنها كما فعلت النملُ ـ بذكائها ذات يوم بعيد ـ خوفا من سليمان وجنوده ، وهاهو يتسلل ” القاتلُ ” الى أجسام أهالينا واحباءنا بكل خبث في صمت رهيب كما تتسللُ اللصوصُ بيوتا غير بيوتها في دُجى الليالي وحلكتها ، وهاهو يسلبُ نعمة الحياة من رفاقنا وزملائنا ويشطب أسماءهم بكل بساطة من قائمة قضاة مملكتنا السعيدة ، فقط لأنهم أبوا أن لا يدخلوا مساكنهم كما دخلت أغلب الناس ، ولأنهم أصروا بكل عنفوان وتحد على أداء واجبهم المهني والوطني الذي لا يُؤخر ولا يُهمل ، وليس حبا في الفسحة أو بحثا عن الترويح أو التسوق …
لقد آلمنا هذا الفيروس الجبان ألما شديدا في جسمنا القضائي ونشب مخالبه اللعينة خلسة في رئتي قاضيتين فاضلتين منا فاسلمتا روحهما الى باريئهما الذي نرجو أن يتغمدهما برحمته الواسعة وأن يلهمنا وذويهما الصبر والسلوان على فقدانهما ايمانا بقوله تعالى : ( وبشر الصابرين الذين اذ أصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون ).
فيروس كورونا ، مهما كان وكيفما كان وحيثما جاء ، فهو قدر من الله وابتلاء منه الى البشرية كي تعود الى جادة الحق والصواب بعد أن ظهر فسادها في البر والبحر ، وبُرهان منه الينا على صحة ودقة قوله تعالى : (…حتى اذا أخذت الأرضُ زُخرفها وازينت وظن أهلُها أنهم قادرون عليها أتاها أمرُنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا …).
كورونا ، عدو البشرية الخفي والمتخفي ، ليس أول طاعون عرفته البشرية ، ولا أول محنة تعيشها ، سيختفي هو الاخر بفضل الله الذي سيسخر لذلك علماء يكتشفون بهديه وأمره لقاحا واقيا وشافيا ، وهو من سخر لبلدنا ملكا حكيما ـ دام له النصر والتمكين ـ أعجز بتضامنه وانسانيته وحكمته وانشغاله بهموم شعبه ملوك ورؤساء دول العالم .
ولذلك ، ومع حُزننا العميق على فقدان بعضنا و تألمنا لآلام البعض الأخر، نؤكد أن واجبنا الوطني فوق كل اعتبار، وأن كورونا لن يثنينا كسلطة قضائية عن أداء مهامنا رغم خطورتها في هذه الظرفية الموبوءة والملغومة حفاظا على الأمن و الحقوق من جهة وزجرا للمخالفيــن من جهة أخرى . وعزيمتُنا كشعب على دحر هذا الوباء من وطننا الحبيب يجب أن تكون أصلب من الحديد ، ولن نبلغ ذلك بالخروج جماعات بالتكبير والتهليل في مكبرات الصوت وكأن الله أصم أو غائب ولا بالعصيان الجماعي الذي سيغرق السفينة بمن فيها ، بل بالمكوث في البيوت حتى لا نكون وقودا وحطبا لنار هذا الوباء فتنتقل من أحدنا للأخر.
فالمكوث في البيوت والصبر عليه قبل أن يكون واجبا وطنيا فهو واجب ديني وأمر الهي ترجمه الحديث النبوي الشريف :(ليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بيته صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه الا ما كتبه الله له الا كان له مثل أجر شهيد ) و طوبى لمن ظفر بأجر الشهيد .
كورونا بدأ يترعرع بيننا لأننا نحن من يجلبه لذواتنا بخروجنا واحتكاكنا مع الاخرين الذين أغلبهم لا يعلمون بأنهم حامليه ، ولهذا ، وان كانت فئة من الناس لا يمكنهم المكوث في بيوتهم بسبب مهامهم الأمنية أو الصحية أو القضائية الملحة فعلى الباقي الامتثال بدون تردد لتعليمات السلطة العامة حتى لا نضطر الى فقدان المزيد من أهالينا.
فلنستغل الجوانب الإيجابية من هذا الحجر الصحي بكل اطمئنان، ولنجرب حياة البيت ودفء الأسرة ولنكتشف فضائل القراءة والكتابة والعلم والتعبد والتواصل مع الأرحام ، ولنحيي الانسان فينا بتقديم كل أنواع الدعم لضعافنا وفقرائنا ، فبعد العسر يسرا … وبعد كورونا الخبيث الذي علمنا الكثير وكشف الستار عن حاجتنا للعلم ومنتجاته المتطورة ولموارد بشرية مؤهلة ومُحصنة يجب أن يُرد الاعتبار الى من هم اليوم في الصفوف الأمامية .
كورونا لا ولن يقهرنا كمغاربة بتضامننا وتفهمنا ، فلم يبق لرحيله الا أياما معدودات اذا التزمنا ، فلنكن جميعا في مستوى اللحظة التاريخية العصيبة ، ولننتصر على هاته الجرثومة الحقيرة التي جعلتنا نشتاق عناق الأهالي ولقاء الأحبة ، لتعود الحياة كما كانت ، بل أفضل مما كانت .