أصبح لا یمر علینا یوم دون أن نقرأ أو نسمع عن خبر ٱغتصاب في صفوف الأطفال، خبر من الأخبار التي تشمئز منها النفوس، لفعل من الأفعال التي تعافها النفس البشریة السلیمة.

 فبالكاد نستوعب قصة من بشاعتها حتى تظهر لنا قصة أبشع وأشنع، فيا للخوف من أن يصبح الأمر معتادا لدینا ونكتفي فقط بشجبه بتعلیق على الخبر، أو في قلوبنا كأضعف الإیمان. 

في المغرب، وحسب المرصد الوطني لحماية الطفل فإن حالات الإعتداء الجنسي تمثل 29% من الحالات الواردة عليه وذلك حسب إحصائيات 2017.

 وبالرغم من هذا، فإن هاته الأرقام تظل بعيدة كل البعد عن ما يجري على أرض الواقع من حالات مسكوت عنها، وبالتالي يصعب تحديد أرقام دقيقة نظرا لعدم إبلاغ السلطات بجميع حالات الإعتداء، لأن العديد من الأسر لازالت تتحرج من التبليغ عن الإعتداء الجنسي تجاه الأطفال، لكونه من الطابوهات الخادشة للحياء والشرف، وحفاظا على سمعة الطفل أو خوفا من ٱنتقام المغتصب في حالات أخرى. ومع الأسف فإن عدم الإبلاغ هذا، يترك للجناة حرية الإعتداء على ضحايا آخرين.

 الملاحظ أن المعتدين جنسيا على الأطفال هم من الذكور أكثر من الإناث، ومن مختلف الفئات العمرية، ومن مختلف الطبقات الإقتصادية والإجتماعية، ومنهم أفراد محترمون في المجتمع، ولا يبعثون إطلاقا على الشك، يترصدون ضحاياهم في أماكن يسهل عليهم فيها الوصول إليهم كالمدارس، والنوادي، والمساجد.

 فالجاني له استراتيجية ٱستدراج مدروسة، وفي حالات كثيرة يكون على معرفة مسبقة بالضحية ومحل ثقته، أو فردا من أفراد أسرته.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، ما الشيء الجاذب في جسد طفل لدرجة تدفع شخصا بالغا للإعتداء عليه جنسيا؟

علميا، ونقلا عن جمعية الطب النفسي الأمريكية هناك عدة فرضيات تشير إلى أن الإعتداء الجنسي على الأطفال، يمكن أن يكون ناتجا عن الأسرة، ولكن ليس من الواضح إذا ما كان بسبب الوراثة أو سلوكا مكتسبا، وأيضا من ضمن النظريات الأخرى وجود خلل في السيروتونين الكيميائي على مستوى الدماغ، وكلها عوامل لم يثبت فعليا أنها تساهم في الإعتداء الجنسي على الأطفال، إضافة إلى أن وجود تاريخ لإعتداء جنسي على الجاني قد يكون عاملا محتملا في ٱنحراف السلوك الجنسي للشخص، ولكن هذا لم يثبت أيضا، وبالتالي تبقى علميا العوامل السببية لمرتكبي الجرائم الجنسية على الأطفال غير معروفة بشكل قاطع.

لكن الثابت هو أن هذه الظاهرة الشاذة عالمية، فهي ليست حكرا على مجتمع دون آخر، فالدول الغربية مثلا كسرت طابو الجنس منذ سنوات، وأجازت العلاقات الجنسية خارج الزواج، وأقحمت التربية الجنسية في المقررات المدرسية، وبالرغم من ذلك، فمعدلات ٱغتصاب القاصرين عندهم مثيرة للقلق.

ولعل أشهر مثال في هذا السياق، الإعتداء الجنسي الذي طال آلاف الأطفال من قبل رجال الدين داخل الكنيسة، ففي سنة 2018، نشر المدعي العام في ولاية بنسلفانيا، تقريرا حول مجموعة من الإعتداءات الجنسية كان ضحيتها آلاف الأطفال قام بها قساوسة الكنيسة الكاثوليكية في الولاية نفسها، وذلك على ٱمتداد 70 عاما في تستر تام على هذه الأفعال من قبل أساقفتهم. 

في الواقع، إن العوامل المتسببة في جرائم الإغتصاب في حق الأطفال متعددة ما بين ٱقتصادية، وٱجتماعية، وثقافية، ودينية، حيث ينعكس إسقاطها جميعها على السلوك المجتمعي مكونا هذه الظاهرة.

 فما نراه على شاشات التلفزة من رداءة، وما يعاني منه المجتمع من ٱنفلات أخلاقي وتدهور القيم، والبعد عن الدين، وٱنتشار البذاءة في كل مكان، والتعاطي للمواد المخدرة المختلفة، كلها عوامل مساهمة في تفشي هذه الظاهرة الإجتماعية، فماذا ننتظر عندما تضيع العقيدة وتغرق المبادئ في مستنقع الدناءة؟!

رجوعا إلى المغرب، وفي ضوء المعدلات المرتفعة لحالات الإغتصاب، وبما أن القانون وحده لا يحمي الأطفال، يبقى دور الأسرة أساسيا في حماية الطفل لتفادي وقوع الجريمة.

 القانون المغربي يعاقب على جريمة الإغتصاب في حق الأطفال بموجب القانون الجنائي المواد من 484 إلى487، وهي عقوبات تتراوح مابين 10 إلى 20 سنة، وتشدد العقوبة في حالة كان الفاعل من أصول الضحية لتصل إلى السجن 30 سنة.

كذلك ينص على معاقبة من هتك عرض قاصر بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات وتشدد العقوبة إلى 10 سنوات إذا ٱستخدم العنف.

ومع صعوبة إثبات هذا النوع من الجرائم تظل الأحكام الصادرة على الجناة غير شافية للغليل، مع العلم أن أي حكم رغم قساوته لن يصلح الدمار النفسي والجسدي الذي لحق بالطفل البريء، ولكن تطبيق أشد العقوبات على هذا النوع من الجرائم قد يساعد في ردع الجناة، ويشعر أهل المتضرر ببعض من الإنصاف، وتعزيز الثقة في نفوس المواطنين، لأن فقدان الثقة في مؤسسات القضاء يدفع المواطنين إلى اللجوء للثأر، وأخذ الحق عنوة في ٱمتداد لشريعة الغاب، كما حدث في مدينة مكناس عندما عاقب المتدخلون شخصا حاول ٱغتصاب طفلة بحرق عضوه الذكري علنا أمام الملأ لجعله عبرة لمن لايعتبر .

سارة أومايمة