إن الحديث عن مظاهر المحاكمة العادلة يقتضي منا الوقوف عند أهم المرتكزات والدعائم الأساسية التي نادى إليها دستور 2011 و الذي خصص الباب السابع منه للسلطة القضائية  الفصول من 107 الى 128 مستهلا الموضوع ولأول مرة بالإعلان أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والتنفيذية ويعني هذا المبدأ بالمفهوم السياسي وحسب نظرية “مونتسكيو ” أن السلطة القضائية ينبغي أن تكون في كل نظام ديمقراطي  مستقلة عن السلطة التشريعية والتنفيذية  هاته المبادئ الأساسية والتي ظل جل الباحثين والسياسين يرددونها في خشوع وتقديس قبل مجيء دستور 2011 هدفها الحرص عن  عدم تدخل السياسي في القضائي لما في ذلك من مساس باستقلال السلطة القضائية .وفي هذا المقال سأحاول التطرق لمظاهر المحاكمة العادلة من  – جانبها الزجري – وتجلياتها في دستور 2011 انطلاقا من الفصل 120من الدستور و القوانين الوضعية الأخرى تاركا الحديث عن استقلال السلطة القضائية في موضوع لاحق رغم ما لهاته الاستقلالية من دعامة أساسية  في تمتيع المتقاضين بمحاكمة عادلة تضمن لهم فيها حقوق الدفاع وتصدر أحكامهم في آجال معقول. فأين تتجلى مظاهر المحاكمة العادلة وما المقصود بحقوق الدفاع ؟؟ولهذا سأحاول وحسب وجهة نظري المتواضعة وتفاديا للغة الحشو أن أقسم هذا الموضوع على مرحلتين المرحلة الأولى سيتم البحث خلالها  عن مظاهر المحاكمة العادلة انطلاقا من الدستور والمرحلة الثانية عن مظاهر المحاكمة العادلة  فيما تمليه القوانين الوضعية الأخرى .
المرحلة الأولى : مظاهر المحاكمة العادلة انطلاقا من الدستور 
إن الحديث عن مظاهر المحاكمة العادلة يستدعي منا الوقوف عند  الفصل 120 من الدستور و الذي جاء صريحاً كما يعد ركيزة أساسية ينبغي اللجوء إليه عند كل أمر بالاعتقال حيث نص على أن ” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر في آجال معقول حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم ” ويجب الإشارة أنه و من بين الضمانات الموكولة للمتهم المعتقل هي ما تعلق بقرينة البراءة و هو ما نص عليه الفصل 119 من الدستور ” يعتبركل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به ” وتعد هذه الضمانات العمود الفقري لكل محاكمة عادلة لحماية الحرية الشخصية للمتهم في مواجهة سلطات الدولة  .
   إن المشرع الدستوري ورغبة منه في تكريس دولة الحق والقانون وإضفاء حماية واسعة لحقوق وحريات المتهم فقد  متعه بمجموعة من الحقوق بدءا بإجراءات الوضع تحت تدابير الحراسة النظرية مرورا باجراءات التحقيق وانتهاء بمرحلة المحكمة وإحالته على الاعتقال الاحتياطي ومن هاته الحقوق أن البراءة هي الأصل فبمجرد وضع الموقوف تحت الحراسة النظرية الذي يعد تدبير استثنائي اقتضته ضرورة البحث والتحقيق يجب اخباره فورا بكيفية يفهمها بدواعي اعتقاله وبحقوقه ومن بينها حقه في التزام الصمت كما يحق له الاستفادة في أقرب وقت ممكن من مساعدة قانونية ومن إمكانية الاتصال بأقاربه طبقا للقانون، قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان وهذا ما نص عليه الفصل 23 من الدستور المغربي والمقصود بالتزام الصمت تنبيه الشخص بحقه في عدم الإدلاء بأي تصريح يورطه فيما نسب إليه من أفعال… .   وتجدر الإشارة هنا أن الحق المذكور أي الحق في التزام الصمت قرين بالحق في حظر الإكراه و إرغام الشخص عن الاعتراف بالفعل المنسوب إليه أو الشهادة على نفسه فقد يلجأ ضابط الشرطة القضائية  خلال مجريات البحث التمهيدي إلى إرغام الموضوع بالاعتراف عن طريق الضغط النفسي أو التعذيب الجسدي وهو فعل جرمه المشرع الجنائي  و ينتج عنه بطلان المسطرة ومتابعة مرتكبه بالفصل1 -231 من القانون الجنائي الذي ينص على أن “كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدي أو نفسي يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه،في حق شخص لتخويفه أو ارغامه أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف بهدف معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر…” فقد عاقب المشرع كل موظف عمومي مارس التعذيب المشار إليه أعلاه بالسجن من 5 سنوات إلى 15 سنة  .كما حرص المشرع الدستوري في الفقرة الثالثة من الفصل 23 على استفادة المتهم الموضوع تحت الحراسة النظرية من مساعدة قانونية كطلبه من ضابط الشرطة القضائية جلب أوراق ممسوكة لدى الغير والتي يراها المتهم قد تفيده في قضيته أو طلب الاستماع الى كل من يمكنه الإفادة في البحث  أو إجراء مواجهة أو خبرة أو تفتيش مكان وكذلك من إمكانه الاتصال بأقاربه وتسهيل مسألة تدبير المؤازرة بمحام.
   وبمجرد مثول المتهم أمام النيابة العامة فإن ممثل النيابة العامة ملزم بالوقوف عن احترام إجراءات الحراسة النظرية سواء في مددها أو في الضمانات المخولة للمتهم المضمنة في المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية أما إذا ثبت لممثل النيابة العامة أن القضية استنفذت مراحل التحقيق أحالها مباشرة على المحكمة غير أنه إذا ثبت لممثل النيابة العامة أن هناك نقاط أخرى يجب التحقيق فيها فإن المتهم وملف قضيته يحالان على قاضي التحقيق بناء على ملتمس من النيابة العامة طبقا للمادة 84 من قانون المسطرة الجنائية.    وكما هو معلوم فإن قاضي التحقيق ملزم باحترام سرية التحقيق احتراما لحقوق الدفاع وتجسيدا للمحاكمة العادلة وحفاظا كذلك على سمعة المتهم الماثل أمامه وكذلك على قرينة البراءة  .
   فإذا كانت هاته أبرز مظاهر المحاكمة العادلة التي جاء بها الدستور الجديد  فأين تتجلى مظاهر المحاكمة العادلة في بعض القوانين الوضعية الأخرى وهنا مادمنا نتحدث عن مظاهر المحاكمة العادلة من جانبها الزجري نستدعي الوقوف عن بعض تجلياتها في نصوص المسطرة الجنائية.  المرحلة الثانية : مظاهر المحاكمة العادلة في القوانين الوضعية الأخرى 
   إن  تكريس مبدأ حماية حقوق وحريات الأفراد لإرساء دعائم ومبادئ المحاكمة العادلة تقتضي مجموعة من الحقوق يجب على ضابط الشرطة القضائية احترامها و تطبيقها ومنها إخبار كل شخص تم القبض عليه فورا وبكيفية يفهمها بدواعي اعتقاله وبحقوقه ومن بينها حقه في التزام الصمت المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية ، كما يحق لكل شخص وضع تحت الحراسة النظرية بالاستفادة من مساعدة قانونية وفي إمكانية الاتصال بأقاربه وله الحق في تنصيب محام وكذلك الحق في طلب تعيينه في إطار المساعدة القضائية و كما أوجبت المادة 67 من ق م ج في فقرتها الأخيرة على ضابط الشرطة القضائية إشعار عائلة المحتجز فور اتخاذ قرار بوضعه تحت تدابير الحراسة النظرية بأية وسيلة من الوسائل ويشير إلى ذلك في المحضر.    ولأنسنة ظروف الاعتقال أوجب المشرع في المادة 45 من ق م ج على وكيل الملك السهر على احترام إجراءات الحراسة النظرية وآجالها وعلى مباشرتها في الأماكن المعدة لهذه الغاية الموجودة في دائرة نفوذه.    وخلال انتهاء المدة الزمنية المقررة قانونا لإجراءات الوضع تحت الحراسة النظرية المادة 80 من ق م ج وبمثول المتهم أمام النيابة العامة فإن هاته الأخيرة تدرس هاته المسطرة ووثائقها واذا ثبت لها أن الاعترافات المدونة في محضر ضابط الشرطة القضائية انتزعت منه بالعنف والإكراه لا يعتد بها وهذا المبدأ كرسه المشرع المغربي تحت طائلة المساءلة الجنائية كما أشرنا إليه سابقا فلا يعتد باعتراف ثببت انتزاعه بالعنف والإكراه المادة 293 من ق م ج.وقد يصدر ممثل النيابة العامة أمرا بإيداع المتهم في السجن اذا كانت الجنحة يعاقب عليها بالحبس  وإحالته على الاعتقال الاحتياطي الذي يعد من أخطر الإجراءات التي تمس بشرف وسمعة المتهم فعلى المؤسسة السجنية هنا أن تضمن له مجموعة من الحقوق منها الحق في معاملة إنسانية وحقه في الزيارة و التطبيب وفي النظافة والفسحة  والاستفاذة من الوجبات الغذائية والحق كذلك في الخلوة الشرعية فلا يعقل أن يسلب النزيل من حريته ويسلب أيضا من حقه  في الجنس المشروع مع زوجته الذي  يعتبر حق طبيعي ومن حقوقه الشخصية كذلك .
   إن الحديث عن حقوق الدفاع كثيرا ما يفهم منها على أنه الحق في تنصيب محام غير أن حقوق الدفاع كلمة فضفاضة تقتضي أبعد من ذلك وتشمل ما يرتبط بحقوق المتقاضين أمام المرفق القضائي وضمانات الإجراءات وفصول المساطر من أجل كسب ثقة المتقاضين وتقريب القضاء من المواطنين وبما أن هاته الحقوق كثيرة سبق الإشارة إلى بعضها فالقضاء ملزم  باحترامها كحق المتقاضين في حرية الدفاع عن قضاياهم دون تعسف وفي علنية الجلسات التي تعتبر حق دستوري المادة 123 من الدستور وفي درجتين للتقاضي عدا إذا نص القانون خلاف ذلك و الاستفاذة كذلك من مجانية القضاء  فكما تقول القاعدة الفقهية العدالة تمنح مجاناً بدون مقابل غير أن المشرع المغربي وضع بعض الأعباء لسد الباب أمام الأشخاص سيء النية فقد تؤدي المجانية المطلقة أحياناً إلى فتح الباب أمام الكائدين فيلجئون للقضاء بسبب أو بدونه لهذا فرض المشرع الرسوم القضائية فمجانية التقاضي تغري اللجوء إلى القضاء  .
   إن  ضمانات المرفق القضائي اتجاه المتقاضين لا يمكننا تصوره إلا بصدور أحكام في آجال معقولة ومسألة الحكم داخل أجل معقول حق دستوري وهو من مظاهر المحاكمة العادلة خاصة في الإجراءات الجنائية والتي تسبب في بقاء المعتقلين لشهور معتقلين احتياطيا وقد ينال هذا التدبير الاستثنائي  المس بكرامتهم وسمعتهم والتشهير بهم في وسائل الإعلام دون أن يكون لهم أي ذنب في الأفعال المنسوبة إليهم .   وبالرجوع إلى فصول المسطرة الجنائية لا نجد أي فصل يتحدث عن تعويض الاعتقال الاحتياطي  إذا صدر عن قاضي التحقيق عدم المتابعة أو قضت المحكمة بتبرئة المتهم عدا في الفصل 537 من قانون المسطرة الجنائية  رغم مالهذا الإجراء من مساس بحرية الأشخاص وبحرياتهم والذي يجعلهم يقضون وراء القضبان شهورا بعلة ضرورة البحث وينتهي البحث ببرائتهم أو عدم متابعتهم  .
   إن المشرع الدستوري ورغبة منه  في إرساء دعائم المحاكمة العادلة كان منصفا نوعا ما في إقرار التعويض عن الخطأ القضائي تتحمله الدولة الفصل 122 من الدستور غير أن هاته المادة ظلت يتيمة فلم يحدد المشرع كيفية الحصول على هذا التعويض وشروطه… كما يلزم المطالب بالتعويض عن الخطأ القضائي إثبات الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه منه وأن ذلك الخطأ القضائي  هو الفعل المباشر المنتج للضرر ، كما أن الوضع الاجتماعي لطالب التعويض وعسرة اليد عادة لا تسعفه للجوء إلى القضاء الإداري وهذا ما يؤثر سلبا عن مطالبتهم بالتعويض سيما وأنه يجد نفسه في النهاية اذا توفرت له الشروط أمام خصم وحكم في الوقت نفسه .
   ولهذا يجب على المشرع في تعديلاته  لفصول المساطر تبسيط مسطرة المطالبة بالتعويض عن الخطأ القضائي لما لهاته المصلحة أهمية  في تكريس دولة الحق والقانون سيما وأنها حق دستوري يرمي الى حماية الفرد من كل مساس بحريته أو شطط لكي تتحقق العدالة التصالحية والاجتماعية بين الفرد و الدولة  .
عبد المنعم عاشور  طالب في القانون