في إطار أنشطته الترافعية نظم منتدى الحداثة والديمقراطية عشية يوم الجمعة 21 يونيو 2019 بمدينة فاس ندوة فكرية حول موضوع “مدونة الأسرة، أية حصيلة بعد 15 سنة وأية تعديلات لازمة؟”
استهلت أشغال اللقاء بكلمة افتتاحية للجهات المنظمة أكدت على أهمية تنظيم هذه الندوة في سياق تزايد فيه الحديث عن ضرورة مراجعة مدونة الأسرة بعد مرور 15 سنة على تطبيقها، بهدف الملاءمة مع مستجدات دستور 2011، والوضع المتقدم للمغرب بعد سحبه التحفظات على عدد من الاتفاقيات الدولية، ولتجنب الثغرات التي كشفها التطبيق العملي وهو ما يفرض استحضار مقاربات متعددة .
وقدمت المحامية فاطمة أعراش عضوة المجلس الإداري لاتحاد العمل النسائي مداخلة تناولت فيها كرونولوجيا الحركة النسائية ومساعيها لتغيير مدونة الأحوال الشخصية، رغم كل التحديات التي واجهتها من حملات التكفير والتهديد والتشهير، حيث توقفت عند حملة المليون توقيع، ثم المحاكمات الرمزية التي تم تنظيمها ومن أبرزها محاكمة “أريد حلا”، وهو الحراك الذي تمخض عن صدور مدونة الأسرة التي اعتبرت حينئذ نموذجا للإصلاحات الجوهرية ومكسبا ونقلة نوعية للنهوض بحقوق النساء.


وأشارت المتدخلة الى أن السياق الحالي يحتم ضرورة إعادة فتح إصلاح مدونة الأسرة بعد الثغرات التي كشف عنها التطبيق العملي حيث أكد العمل الميداني لشبكة مراكز النجدة التابعة للجمعية، استمرار التمييز ضد النساء وغياب آليات تفعيل مدونة الأسرة، ووجود ممارسات تفرغها من محتواها، ومن بينها غموض المادة 49 منها المتعلقة بتدبير الأموال المكتسبة بعد الزواج، والمقتضيات المتعلقة بالإرث والتي لا تأخذ بعين الاعتبار التحولات التي يعرفها المجتمع والدور المحوري للنساء في اقتصاد الأسر.
وخلصت المتدخلة الى أن الوضع يتطلب معالجة شاملة وعميقة للمدونة في كل جوانبها.


وقدم الدكتور أنس سعدون عضو نادي قضاة المغرب قراءة في الإشكاليات العملية التي تطرحها مدونة الأسرة على مستوى العمل القضائي، حيث استهلها بالوقوف على معضلة تزويج القاصرات حيث أفرز الواقع تحول الاستثناء الى قاعدة، تمس بالأساس الفتيات المنحدرات من أوساط فقيرة، حيث يبقى الزواج ملجؤهن الوحيد في غياب بدائل اجتماعية أخرى، مؤكدا أن هذا الحل الآني سرعان ما يتحول الى نواة لظهور مشاكل أخرى نظرا لهشاشة الأسر التي تبنى على زواج القاصرات.
واعتبر المادة 16 من مدونة الأسرة وسيلة ساهمت في التحايل على النصوص القانونية المنظمة لزواج التعدد وتزويج القاصرات في غياب نص قانوني يعاقب على الزواج الذي يتم بشكل غير قانوني وهو ما اسهم في عدة اختلالات كشفها التطبيق العملي لفصول المدونة.
وأضاف أن المقتضيات القانونية المنظمة للطلاق والتطليق تسهم في صعوبة الولوج الى العدالة أمام كثرة المساطر وصعوبة التمييز بينها من طرف المتقاضين ولا سيما النساء، مقترحا اختزالها في نوعين هما الطلاق الاتفاقي والتطليق للشقاق، بعدما تراجعت نسب بقية الأنواع الأخرى.
في نفس السياق اعتبر الدكتور أنس سعدون أن استمرار التمييز بين البنوة الشرعية وغير الشرعية من شأنه ان يؤدي الى اختلاط الأنساب خاصة وأن المشرع يعتبر أن البنوة غير الشرعية ملغاة بالنسبة للأب ولا ترتب أي أثر من آثار البنوة الشرعية، ومن بينها حرمة المصاهرة.


ودعا الدكتور سعدون الى دعم التخصص وتحويل أقسام قضاء الأسرة الى محاكم أسرة متخصصة، مع رفع الموارد البشرية ومراعاة مقاربة النوع الاجتماعي في تشكيل الهيئات القضائية، ونشر الأحكام، والإفراج عن الأعمال التحضيرية لمدونة الأسرة، ودعم التكوين والتكوين المستمر للقضاة في مجال أعمال الاتفاقيات الدولية والقانون الدولي الخاص على وجه التحديد، والاهتمام بقضايا مغاربة المهجر، معتبرا أن الوقت حان لفتح ملف تعديل مدونة الأسرة على ضوء التحولات التي شهدتها أوضاع المرأة والمجتمع بالمغرب.
أشغال الندوة عرفت أيضا مداخلة الناشطة النسوية أمينة التراس وهي باحثة في قضايا الجندر والتي خصصتها لموضوع الوقع السياسي لحراك المجموعات النسوية من أجل تعديل قانون الأحوال الشخصية، حيث اعتبرت أن حراك المجموعات النسوية لم يكن يستهدف تغيير المدونة، وانما كان يستهدف بالأساس تغيير وضعية النساء المضطهدات، وأضافت أن هذه المنظمات حققت نتائج ايجابية في بناء تحالفات اقليمية لممارسة الضغط، وهو ما كان له وقع كبير سواء على وضعية النساء المعنيات بالتأثير، أو بقية مكونات المجتمع الذين سيتأثرون بالتغيير، متوقفة عند لحظة الحضور القوي للجمعيات النسائية في فعاليات مؤتمر بكين الذي شكل دفعة قوية لانطلاق حركة واسعة للمطالبة بتغيير مدونات الأحوال الشخصية في عدد من بلدان المنطقة.


في نفس السياق أشارت المتدخلة الى حدث حملة المليون توقيع والتي توجت نضال المجموعات النسوية، حيث قدمت مطالبها للوزير الأول، إلا أن هذه المبادرة تم اجهاضها، وأعلن من خلال خطاب ملكي أن اصلاح مدونة الأحوال الشخصية هو شأن ديني وليس شأنا سياسيا، حيث تم تشكيل لجنة ملكية عهد اليها اعداد مدونة جديدة.
وخلصت الى أن مدونة الأسرة كانت وما تزال ساحة للمواجهة بين تيارين، وهو وضع أدى الى انقسام داخل الحركة النسائية تمثل في مسيرتي الدار البيضاء والرباط، مؤكدة على أن الصراع هو الذي يفرز التحول الحقيقي، ودعت في مداخلتها المجموعات النسوية الى اعتماد خطاب متعدد يستوعب كل فئات النساء للابتعاد عن الخطابات الفئوية.
وقدم الأستاذ أمين باها مدير مركز المبادرات من أجل حماية حقوق النساء، مداخلة حول الحصيلة العملية لتطبيق مدونة الأسرة من خلال نماذج قضايا عرضت على المركز، من خلال نساء ناجيات من العنف، مؤكدا على ان مشاكلهن مع المدونة تتقاطع مع مشاكل أخرى اقتصادية واجتماعية، وتتشابه أوضاعهن في كون غالبيتهن ينحدرن من وسط فقير، وأنهن تابعات اقتصاديا للزوج المعنف، ويعانين من عزلة اجتماعية، وهو ما خلق لهن وضعية نفسية متأزمة، واحساسا مستمرا بالعار وعدم تقدير الذات، والعجز عن اتخاذ القرارات بما فيها قرار الزواج أو الانجاب، ونقص المعلومات القانونية.
وأضاف أن الحقوق قد تتوفر في النصوص القانونية بينما تغيب عن الواقع بسبب صعوبة الاثبات وصعوبة المساطر، وهو ما يجعل عددا من النساء الناجيات من العنف يفضلن اللجوء الى التطليق للشقاق عوض تفعيل المسطرة أمام القضاء الزجري.
واستعرض المتدخل لصور من معاناة النساء الناجيات من العنف خاصة في قضايا التطليق حيث اعتبر أن خطاب الصلح يكرس العنف ويعطي الفرصة للمعنف في الاستمرار في تعنيف زوجته أو تهديدها، كما أن جلسات الصلح تعتبر فضاء لاخضاع الزوجة لضغوطات العائلة لدفعها للتنازل، مؤكدا على أن التقاضي يكون مكلفا بالنسبة للنساء وهي تكلفة تتجاوز أداء الرسوم القضائية وتشمل نفقات التنقل لأكثر من مرة من وإلى المحكمة، وهو ما يشكل عبئا إضافيا على عاتق النساء التابعات اقتصاديا للمعنف، فضلا عن معضلة التبليغ والتي تؤدي الى طول المسطرة وإرهاق النساء المتقاضيات .