نظمت فدرالية رابطة حقوق النساء عشية يوم الاثنين 30 سبتمبر 2019 بالرباط مائدة مستديرة تحت عنوان: “من أجل منظومة جنائية تكرس الحقوق والحريات وتلغي كل أشكال التمييز ضد النساء”.

استهلت أشغال اللقاء بكلمة افتتاحية أكدت على أهمية تنظيم هذه المائدة المستديرة التي تأتي تزامنا مع فتح ورش تعديل القانون الجنائي، وأمام المستجدات التي تعرفها الساحقة الحقوقية الوطنية نتيجة الانتهاكات التي تطال حقوق الإنسان للنساء واستمرار ظاهرة العنف الذي يستهدفهن بسبب جنسهن، فضلا عن الملاحقات التي تطال الحريات الفردية في انتهاك صارخ للمعايير الدولية التي صادق عليها المغرب، كل ذلك “في غمرة النقاش العمومي الدائر حول الحريات الفردية بالمغرب مع اقتراب التصويت على مشروع القانون الجنائي في البرلمان”.

وفي هذا السياق أكدت سميرة موحيا أن فدرالية رابطة حقوق النساء أطلقت حملة تحت شعار “باركا من محاكم التفتيش.. بغيت قانون يحمي حريتي وحقوقي”، تهدف من ورائها إلى إسقاط الفصول المجرّمة للحريات الفردية من القانون الجنائي والتي أصبحت “متجاوزة ولا تليق بمغرب 2019″، داعية إلى سَنّ “قانون جنائي جديد ملائم للمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، ولدستور 2011، وحامٍ لحقوق النساء”.

من جهته، تناول الدكتور أنس سعدون، عضو نادي قضاة المغرب، في مداخلته قراءة في مشروع تعديل القانون الجنائي عدة ثغرات تشوب المشروع الجديد المعروض على أنظار البرلمان، متسائلا، في مستهلّ مداخلته، ما إذا كانت المراجعات التي خضع لها القانون الجنائي تستجيب لحركية وتطور المجتمع، مشيرا إلى أنّ السياق التاريخي الذي وُضع فيه القانون الحالي (1962) “يختلف تماما عن السياق الحالي، لا من حيث علاقات المغرب مع الخارج، ولا من حيث تطور القيَم والأفكار”.

وأشار عضو نادي قضاة المغرب إلى أنّ من إشكالات مشروع القانون الجنائي المغربي، كثرة التفريعات، من خلال وجود فصول مكررة داخل الفصل الواحد، وهو ما يطرح إشكال التطبيق على المستوى العملي، ذاهبا إلى القول إنّ المراجعات التي خضع لها القانون الجنائي “كانت سطحية وكُتبت بلغة محافظة، وغابت عنها المقاربة التشاركية، حيث طُرح مشروع القانون قبل فتح باب التشاور مع المجتمع المدني ومع الجهات المعنية حول أولويات الاصلاح المنشود”.

وأضاف أن مراجعة قانون المسطرة الجنائية ورغم أهمية التعديلات المقترحة، لم تأخذ بعين الاعتبار تسهيل ولوج النساء الى العدالة وسبل انتصافهن، داعيا الى ضرورة التعجيل باحداث صندوق ائتماني لتغطية التعويضات المقررة للنساء ضحايا العنف في حالة كون الجناة معسرين، أو تعذر الوصول الى تشخيص هويتهن، على غرار صندوق ضمان حوادث السير.

من جهتها، قالت المحامية فتيحة شتاتو إنّ المغربيات “تُنتهك حريتهن على الأرض ويتعرضن لأشكال شتّى وكثيرة من العنف أمام صمت الحكومة، وكأن حقوقنا لا بدّ أن تُجهض”، مضيفة: “حان الوقت لتغيير القانون الجنائي الحالي، وإقرار منظومة جنائية عصرية تضمن ممارسة الحريات الفردية بكل أمان واطمئنان، وتضع حدا لكل أشكال التمييز ضدّ النساء”.

ووصفت اشتاتو تجريم نصوص القانون الجنائي للحريات الفردية بـ”العنف التشريعي”، معتبرة أنّ “الممارسة بيّنت أنّ القانون الجنائي قاصر وعاجز عن احتواء العديد من الممارسات التي تجري يوميا في المغرب، مثل الإجهاض، رغم وجود فصول في القانون الجنائي تجرّمه”.

وفي هذا السياق أكدت أن “الرهان والتحدي أمام الهيئات الحقوقية يتمثل في المرافعة من أجل قانون جنائي جديد ينص على ضمان ممارسة المرأة لحقها في الإجهاض، كما هو الحال في تجارب أخرى، مثل فرنسا التي يجيز قانونها الإجهاض قبل إكمال الجنين أسبوعه الثاني عشر”.

وقدم الباحث المتخصص في قضايا الإسلام السياسي سعيد الكحل مداخلة حول موضوع “قراءة فقهية في الاجهاض”، قال فيها: “إنّ الفقه الإسلامي لم يجّرم الإجهاض، حيث أباحه الحنابلة والشافعية والحنفية؛ بينما حرّمه جزء من فقهاء المذهب المالكي، الذي يتبعه المغرب، وأحلّه جزء منهم”. وتساءل: “إذا كان ثلاثة أئمة يُبيحون الإجهاض، فلماذا لا نأخذ برأيهم، كما أخذنا برأي المذهب الحنفي في مسألة ولاية المرأة على نفسها، في مدونة الأسرة؟”.

وردّ الباحث في قضايا الإسلام السياسي على سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، الذي قال في لقاء حزبي نهاية الأسبوع الماضي إنّ مسألة الإجهاض بتّت فيها اللجنة التي أنشأها الملك، وأدلى فيها المجلس العلمي الأعلى برأيه، قائلا “المجلس العلمي الأعلى لم يتخذ أبدا أي مبادرة لمناصرة حقوق المرأة، فكيف يمكن أن نتوقع منه موقفا إيجابيا في مسألة الإجهاض”.

وأضاف: “لا يمكن أن يكون المجلس الأعلى مَرجعا في حل مسألة الإجهاض؛ لأنه أصلا جزء من المشكل. لذلك، فالمطلوب هو أن يكون لدينا قانون مدني، على غرار تونس”.

وذهب المتحدث ذاته إلى القول إنّ الإجهاض لم يَرد فيه نص قطعي يحرّمه، “وما لَم يَردْ نص محرِّم للشيء فهو مباح”، مضيفا أنّ الفقهاء استندوا في تحريم الإجهاض إلى الآية الكريمة “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”، وإلى الحديث النبوي “إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلماتٍ: بكَتْبِ رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيدٌ”.

وأوضح الكحل أنّ الإنسان يُخلق على مراحل، ولا يُنفخ فيه الروح إلا بعد 120 يوما من خلْقه، كما ورد في الحديث النبوي، وهو ما استند إليه فقهاء المذاهب الثلاثة الذين أباحوا الإجهاض قبل أن يُكمل الجنين 120 يوما، أي قبل أن تُنفخ فيه الروح.

واستعرض الباحث المتخصص في قضايا الإسلام السياسي أقوال عدد من الفقهاء المشهورين في مسألة الإجهاض، حيث أجاز الإمام الشافعي، للمرأة أن تُجهض حتى بدون إذن زوجها، وأباح أبو حنيفة الإجهاض قبل إكمال الجنين مائة وعشرين يوما، فيما عبّر المالكية عن رأيين؛ أحدهما يبيح الإجهاض قبل إتمام أربعين يوما، والثاني يحرّمه بالمطلق، وهو الذي يتبنّاه المشرّع المغربي.

كما استحضر في الوقت ذاته آراء فقهاء العصر الحالي، كابن باز، مفتي المملكة السعودية، الذي أباح الإجهاض ما لم يُتمم الجنين أربعين يوما، أو إذا كان بالمرأة مرض شديد، مضيفا “إذا كان ابن باز، وهو من الفقهاء المتشددين، قد عبّر عن هذا الرأي، فماذا سنقول نحن، الذين نعتبر أنفسنا مجتمعا حداثيا ومتقدما ونعيش في دولة تطلب عضوية الاتحاد الأوروبي؟”.

في نفس السياق قدمت فاطمة المغناوي عن اتحاد العمل النسائي مداخلة تناولت فيها مضامين المذكرة التي قدمتها الجمعية رفقة عدد من المنظمات النسائية حول “حق النساء في ايقاف الحمل غير المرغوب فيه”، والتي تستند على مستخلصات العمل الميداني الذي رصدت فيه هذه المنظمات العواقب الوخيمة المترتبة عن تجريم الاجهاض على حياة النساء، وأحيانا الطفلات القاصرات، وعلى صحتهن الجسدية والنفسية وروابطهن العائلية، وشروط عيشهن وأمنهن وتوازنهن الاجتماعي، مما يعتبر عنفا وتمييزا وانتهاكا لحقوق النساء. وأضافت المتدخلة أن الاجهاض لا يعتبر وسيلة لتنظيم الأسرة، وانما هو قرار استثنائي ومؤلم تضطر المرأة لاتخاذه في حالة وقوع حمل غير مرغوب فيه، لاعتبارات اقتصادية او اجتماعية أو ثقافية أو نفسية أو بسبب شروط وقوعه، كما في حالة الاغتصاب، وهو حق ينبغي أن تكفل له الدولة الشروط الصحية الآمنة لتحقيقه، معتبرة أن الوضع الحالي يدفع النساء وخاصة الفقيرات الى البحث عن الاجهاض غير الآمن وهو ما يعرض حياتهن وصحتهن الجسدية والنفسية والاجتماعية للخطر.

أشغال المائدة المستديرة عرفت مشاركة الحقوقية كريمة نادر التي سلطت الضوء على الدينامية التي أُطلقت قبل أيام قليلة تحت شعار “خارجون عن القانون” والتي انخرط فيها العديد من الحقوقيين والإعلاميين والمثقفين. واستهلتها بالتأكيد على أن “معركة الحريات الفردية بالمغرب ليست معركة نخبوية” وانما هي تتويج لنقاش بدأ قبل سنوات، وذلك للتعبير عن “إدانة الفصول التي تشكل انتهاكات فاضحة وواضحة للحميمية ولحرية الجسد سواء بالنسبة للنساء أو للرجال”. كما “تكرس الفوارق الطبقية والتمييز بينهما”، مشيرة في السياق إلى أن المتضررين من تلك الفصول هم شبان وشابات الفئات الاجتماعية الضعيفة، كون “الفئات التي تتوفر على الإمكانيات لا تجد نفسها عرضة للملاحقة في أي وقت”.

وأضافت أن “القانون الجنائي المغربي الحالي مستنسخ عن القانون الذي وضعه نابليون في القرن التاسع عشر والذي تجاوزته فرنسا في الستينات والسبعينات” لتردف متسائلة “كيف نقبل الآن أن تحكمنا قوانين المستعمر؟”.

أما الناشط الحقوقي والباحث الأكاديمي، الدكتور أحمد عصيد، فقد شدد في تعليق له بشأن التعديلات المقترحة بخصوص القانون الجنائي، على ضرورة استحضار ثلاث نقط رئيسية.

أولها، يكمن في “الاعتراف بالمواطن الفرد”، لأن واقع الحال أن “الفرد نذيبه في الجماعة وفي قيم الجماعة”، والمرأة بدورها لا ينظر إليها “كفرد مواطن” ولذلك فإن “جسد المرأة ليس ملكها بل إنه وسيلة لإنجاب الأطفال ولإشباع متعة الرجل”.

النقطة الثانية تتمثل في مفهوم الحرية، فالناس يعتقدون أن “الحرية تعني أنك حر في حدود تقاليد المجتمع، بينما المفهوم الحقيقي هو أنك حر طالما لا تتعدى على حرية غيرك”.

أما ثالث نقطة فتتعلق بـ”مكانة الدين في الدولة”، حيث أبرز المتدخل أن “الدين يستعمل كذريعة لهدر الحقوق والحريات”.

المشاركون في أشغال هذه المائدة المستديرة أجمعوا على ضرورة اعادة النظر في عدد من مضامين مشروع تعديل القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية لتحقيق الملاءمة مع دستور 2011، والمعايير الدولية ذات الصلة.