بقلم : حبيب سعداوي
صوت العدالة

كلنا مسؤولون عما يقع في بلادنا ، كلنا نتحمل المسؤولية على الفساد الذي أصبح مرضا يصعب استئصاله ، فالفساد يا سادة سبب خراب العمران، وزوال الدول، وفناء الأمم، ووقوع الفوضى، وغموض المستقبل…نعم كلنا مسؤولون لأننا نحن من يختار “الرياشة” ، نحن شعب يبيع صوته ولا يبالي بالعواقب ، نحن الشعب الذي يدفع الرشوة للحصول على أبسط وثيقة ، نحن شعب يسكت عن حقه ولا يظهر رجولته إلا على مواقع التواصل الاجتماعي وبأسماء مستعارة ، نحن شعب يساعد الفاسد على مزاولة فساده ، نحن شعب يحب التطاحن في ما بينه وينافق بعضه البعض ، نحن شعب نبكي على الأشياء التافهة ، ونضحك ونغرد ونصفق على الإغراءات والمشاريع الوهمية والوعود الكاذبة ، نحن شعب فيه الجاهل يضحك على العالِم ، نحن شعب غايته الوحيدة المال ولا شيء غير المال ولو على حساب بعضنا البعض…ولكل هذا فقد حذرنا علماء الملة على مر العصور من النتيجة الحتمية للظلم والفساد الذي نعيشه اليوم ، ونبهوا على المفاسد الناشئة من ذلك ، وأن ما يصلح به حال الدنيا هي قاعدة العدل الشامل الذي يدعو إلى الأُلفة ، ويبعث على الطاعة ، ويعطي حق الاختيار، وتعمر به البلاد ، وتنمو به الأموال ، ويكبر معه النسل ، ويأمن به السلطان ، وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجَوْر؛ لأنه ليس يقف على حد، ولا ينتهي إلى غاية.

وإذا تمعنا جيدا في القراءة واجتهدنا في فهم في ما حذرنا منه علماء الملة على مر العصور، نجد أن أداء الأمانة والمسؤولية والواجب الوطني وغير ذلك من الواجبات أفضل أداء ، يحمي الوطن من السقوط ، وإن كان مواطنيه كفارا ، في حين أن المجتمع الذي يسوده الفساد والظلم وانعدام الضمير في المسؤولية ، أو يغض الطرف عنه ، يسقط لا محال وان كان مسلما .

فامور المواطن تستقيم مع العدل في المهام ، وتجنب الفساد والاستبداد ، والقناعة والتشبث بحب الوطن . فالله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ، ولا يقيم من يسودها الفساد ولو كانت مسلمة ، لأن الدنيا تظهر وتدوم مع العدل والمساواة ، واحترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية ، وأداء المسؤولية على أحسن ما يرام ، واجتناب الطمع والغش والفواحش والربا ، وأكل أموال الشعب بالباطل ، والتكبر والتجبر وووغيرها من الخصال الغير المحمودة.

فالعدوان الذي يشنه أغلبية المسؤولين ببلادنا كيف ما كانت نوعيتهم ، وانتمائهم الحزبي على أموالنا ، يذهب بآمالنا في تحصيلها واكتسابها، فمصيرها مع هؤلاء الملهوفين الانتهاب من الأيدي ، وبالتالي تذهب آمالنا من اكتسابها وتحصيلها ، وتنقبض أيدينا عن السعي في ذلك ، ونصبح بدون معاش ولقمة عيش، وتكسد الأسواق، وتنتفض الأحوال، ويتفرق الناس في الآفاق، وتمتد الحالة لتشمل الفساد والظلم النفسي والمعنوي الذي قد يكون أقسى وقعا اشد اثرا.

فصلاح حياة الناس عزيزي المسؤول لا يكون إلا إذا كنت متشبتا بالقناعة وحب الوطن والإخلاص الكامل لمسؤوليتك ، ولا يتنافى هذا أبدا مع الشدة والقوة والحزم ، فالشدة والقوة وحدها في غياب القناعة والإخلاص وحب الوطن لا تبني مجتمعا ولا تصلح وضع البلاد والعباد ولا تؤسس حكما.

وثقافة الاعتلائية والاستعباد ، والتي يغلب عليها طابع التشريف على التكليف هي السائدة في مجتمعنا ، فالمسؤول هو من اختيار المواطن يؤمن بمنطق ” الكميلة واللعاقة ” ، وليس الخدمة كما هو الشأن في البلدان التي تحترم إرادة شعبها ، فما نراه في بلادنا أصبحت المسؤولة اسهل واحسن طريقة للاغتناء ” مشروع صحيح ” ، فالأهداف السياسية ، والانتماءات ، واعتماد منطق ” باك صاحبي ، وهذا من عائلتي ” كلها عوامل تساعد على رفع درجات الفساد عند المسؤول ، وبالتالي فساد وطن بأكمله…كلنا مسؤولون ، كلنا مشاركون، فلنتق الله ، فالوطن أغلى من المال ، ولنعد إلى رشدنا جميعا يرتاح بالنا ، وتصلح أحوالنا…