الأربعاء 03 يوليوز 2019

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين .

السيد رئيس لجنة العدل و التشريع و حقوق الانسان بمجلس النواب المحترم ؛

السيدات و السادة النواب المحترمون؛

السيد رئيس جمعية الطب الشرعي بالمغرب المحترم ؛

السيدات و السادة رؤساء و ممثلو الجمعيات المهنية و جمعيات المجتمع المدني و وسائل الإعلام ؛

أيها الحضور الكريم

يسعدني و يشرفني أن أشارك  معكم في افتتاح أشغال هذا اليوم الدراسي الهام المنظم من طرف لجنة العدل و التشريع و حقوق الانسان بمجلس النواب ، حول ” دور الطب الشرعي في مساعدة السلطات القضائية ” ، و الذي سينكب على مناقشة عدد من المحاور المرتبطة بموضوع الطب الشرعي ، و أهميته في منظومة العدالة ، و دوره في تحقيق المحاكمة العادلة و مساعدة القضاء للوصول إلى الحقيقة ، فضلا عن الإكراهات و الإشكالات التي تعاني منها هذه المهنة سواء من الناحية القانونية أو التقنية و التي تحول دون أدائها لمهامها على الوجه الأكمل و الأمثل  .

و هي مناسبة أود من خلالها أن أتقدم بجزيل الشكر إلى لجنة العدل و التشريع و حقوق الانسان بمجلس النواب رئيسا و أعضاء ، على تنظيم هذا اليوم الدراسي و حسن اختيار الموضوع و المؤطرين ، و على الدعوة الكريمة لحضور فعاليات افتتاحه .

حضرات السيدات و السادة الأفاضل ؛

يأتي تنظيم هذا اليوم الدراسي في سياق الإصلاح العميق و الشامل الذي تعرفه منظومة العدالة ببلادنا ، و الذي يقود بحكمة و اقتدار جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده مشروعه ، و تعمل وزارة العدل جاهدة على تنزيله وفق مخطط زمني دقيق  و مضبوط .

إصلاح يرتكز في شق كبير منه على مراجعة النصوص القانونية المؤطرة لمنظومة العدالة و تحديثها  ، سواء في مجال دعم استقلالية السلطة القضائية أو تخليق منظومة العدالة أو تنمية قدراتها المؤسسية أو تعزيز الحقوق و الحريات أو الرفع من نجاعة الأداء . و في هذا الإطار فإنه في مجال تعزيز الحقوق و الحريات ، فقد بادرت وزارة العدل إلى إعداد مجموعة من مشاريع القوانين تروم حماية حقوق الأفراد و ضمان محاكمة عادلة لهم وفق ما يكفله لهم الدستور و المواثيق الدولية المصادق عليها من طرف المملكة، و قد تمت إحالة عدد من هذه المشاريع على لجنتكم الموقرة ، و هي الآن قيد الدراسة و المناقشة  ، و هناك مجموعة أخرى من المشاريع قد وصلت صياغتها إلى مراحلها النهائية ، و ستتم إحالتها عليكم في الأسابيع القليلة المقبلة بحول الله .

و من المشاريع التي تمت إحالتها على البرلمان ، و لها ارتباط وثيق بتعزيز  الحقوق و الحريات ،

مشروع القانون رقم 17/77 المتعلق بتنظيم ممارسة مهنة الطب الشرعي  ، و الذي صادق عليه المجلس الحكومي في اجتماعه المنعقد بتاريخ 20 شتنبر 2018                     و جرى تقديمه أمام لجنة العدل و التشريع و حقوق الانسان بمجلس النواب بتاريخ 04 فبراير 2019 ، و نأمل بالتعاون و التنسيق مع كل الفرقاء أن ننتهي من مناقشته و المصادقة عليه قبل اختتام الدورة الربيعية الحالية بحول الله.

مشروع يكتسي بالنسبة إلينا أهمية بالغة، كونه يندرج في سياق تحديث و تطوير آليات العدالة الجنائية ، ويجسد حرص وزارة العدل على الانخراط البناء في دينامية تحديث وتطوير المهن المساعدة للقضاء ، تنزيلا و تفعيلا لبنود و مضامين إصلاح منظومة العدالة .

لذلك فإنني أتطلع بكثير من الاهتمام لما ستسفر عنه مخرجات هذا اليوم الدراسي ، و أعتبر تنظيمه  في هذا التوقيت بالضبط ، فرصة مناسبة لتسليط الضوء على مشروع القانون المذكور ، و الاستماع إلى ملاحظات كل المتدخلين في منظومة العدالة من مُشَرِّعِين و قضاة و محامين و خبراء و اكاديميين  و جمعويين ، فضلا عن الاستماع إلى انشغالات المهنيين و مطالبهم و ملاحظاتهم ، و ذلك من اجل تجويد هذا المشروع ، بمقتضيات تضمن له الفعالية و النجاعة و تساهم في الارتقاء بمهنة الطب الشرعي و تبويئها المكانة اللائقة بها .

و مرة أخرى أستغل تواجدي في هذا اليوم الدراسي لأشيد بحرارة بانفتاح المؤسسة التشريعية على محيطها الخارجي و تواصلها المباشر مع المعنيين بمشاريع القوانين المعروضة أمامها ، و هي سُنَّةٌ حميدة تكرست و أصبحت و لله الحمد عرفا في العمل البرلماني المغربي ، كما أتوجه بخالص عبارات الشكر و التقدير للجنة العدل و التشريع              و حقوق الانسان رئيسا و أعضاء على المجهودات التي يبذلونها في هذه اللجنة الموقرة ، و على جو النقاش القانوني الرصين و الهادئ الذي يميز أشغالها ، و على التجاوب و التفاعل الدائم و المستمر مع كل المبادرات التي تتقدم بها وزارة العدل لتطوير و تجويد المنظومة القانونية الوطنية لجعلها منظومة عصرية تواكب المستجدات التي يفرضها الواقع و الحياة اليوميةو الاقتصادي و القانوني و القضائي للمغاربة ، معربا لكم عن أملي لاستمرار هذا التعاون المثمر بيننا و تطوير آلياته و أساليبه.

حضرات السيدات و السادة المحترمون ؛

يعد الطب الشرعي من أهم الوسائل العلمية التي تساهم في كشف ملابسات الجرائم وجمع الأدلة المتعلقة من أجل ضبط مرتكبي هذه الجرائم وتقديمهم إلى المحاكمة. وهو بذلك يلعب دورا محوريا في خدمة أجهزة العدالة الجنائية من خلال مساعدته للسلطات القضائية المختصة سواء أثناء مرحلة البحث التمهيدي او التحقيق الإعدادي او المحاكمة في تحديد أسباب بعض الجرائم الغامضة والمستعصية كجرائم القتل والتسميم وبعض أنواع الجرائم الجنسية، فضلا عن دوره في تكوين القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي . لذلك كان هذا الموضوع من بين المحاور التي حظيت باهتمام خاص خلال ندوات الحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، وعلى رأسها الندوتان الجهويتان اللتان تم عقدهما على التوالي بمدينة فاس يومي 9 و10 نونبر 2012 وبمدينة مراكش يومي 23 و24 نونبر 2012 حول موضوع “تحديث السياسة الجنائية وتطوير العدالة الجنائية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة” واللتين شكلتا مناسبة فعلية تم خلالها تشخيص وضعية منظومة الطب الشرعي ببلادنا ومناقشة سبل تطويرها لتفادي محدودية آليات البحث الجنائي في هذا الشق والمتمثلة في غياب إطار قانوني حديث خاص بالطب الشرعي.

وتبعا لذلك، تضمن ميثاق إصلاح منظومة العدالة توصية خاصة تحت رقم 95 نصت على ضرورة “وضع نظام قانوني وإطار مؤسساتي، وفق المعايير الدولية المتعارف عليها، لمهنة الطب الشرعي”.

و كما لا يخفى على حضراتكم ، فإن الطب الشرعي بالمغرب وإن كان يشكل نشاطا مهنيا قائما بذاته، فإن ممارسته لم تخضع لأي إطار تشريعي أو تنظيمي خاص و واضح ومضبوط، ما عدا أحكام المرسوم رقم 2.99.651 الصادر في 06 أكتوبر 1999 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان المشتركة بين الوزارات ، الذي أشار بشكل مقتضب لممارسة الطب الشرعي وتشريح الجثث و تضمنت مقتضياته إشارة تفيد اقتصار ممارسة مهام الطب الشرعي وتشريح الجثث على الأطباء العاملين بالقطاع العام فقط، إضافة إلى التنصيص على الأتعاب المخصصة لخدمات الطب الشرعي ضمن القانون رقم 23.86 المتعلق بتنظيم المصاريف القضائية في الميدان الجنائي الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.86.238 بتاريخ 28 من ربيع الآخر 1407 (31 ديسمبر 1986) والتي تتميز في مجملها بهزالة التعويضات المرصودة لها والتي لم تعد تساير الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

كما أن الواقع العملي في مجال الطب الشرعي بالمغرب أفرز معطى أساسي يتمثل في كون الجزء الأكبر من التشريحات الطبية المأمور بها من طرف القضاء يمارسها أطباء ليس لهم تخصص طبي معترف به في هذا المجال، الأمر الذي يؤكد حقيقة عدم توفر بلادنا على عدد كاف من الأطر الطبية المتخصصة في ميدان الطب الشرعي خصوصا وأن العدد القليل من هؤلاء و البالغ عددهم 13 طبيبا شرعيا  يعملون بمستشفيات بعض المدن الكبرى.

و انطلاقا من الوضعية الحالية لمنظومة الطب الشرعي ، ورغبة في مواكبة ورش تحديث الترسانة القانونية ببلادنا لاسيما في الشق المتعلق بتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتطوير آليات العدالة الجنائية، بادرت وزارة العدل و بتنسيق مع الأمانة العامة للحكومة و أخذا بعين الاعتبار الاقتراحات المقدمة من طرف كل من وزارة الصحة والوزارة المنتدبة لدى السيد رئيس الحكومة المكلفة بإدارة الدفاع الوطني ورئاسة النيابة العامة والهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء ، بادرت إلى إعداد مشروع قانون ينظم ممارسة مهام الطب الشرعي بالمغرب ، حيث تم استحضار عدد من المعطيات  و الاعتبارات أثناء إعداد هذا المشروع و المتمثلة أساسا في المواثيق الدولية ذات الصلة بالموضوع، في مقدمتها، دليل الأمم المتحدة للتقصي والتوثيق الفعالين في الجرائم المتعلقة بالتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة ، و كذا التشريعات والتجارب المقارنة، فضلا عن التوصيات و المقترحات التي تم جمعها من خلال كل الندوات و الأيام الدراسية التي تم تنظيمها لهذا الغرض .

لذلك فإن هذا المشروع يسعى إلى وضع إطار قانوني متكامل لممارسة مهام الطب الشرعي ، مع الحرص على إعطاء مصداقية أكبر للشواهد وتقارير الخبرة الطبية التي تعرض على القضاء، وهو ما سيساهم في تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتطويرها. كما يروم أيضا توحيد ممارسة مهام الطب الشرعي ببلادنا والرفع من مستوى العاملين بهذا المجال، بغية تشجيع الإقبال على هذا التخصص بالجامعات المغربية وذلك من خلال استقطاب الأطباء الداخليين وتحفيزهم ماديا ومعنويا للولوج إليه وتحسين ظروف تكوينهم وكذلك توفير آفاق مهنية محفزة لهم.

و يمكن إجمال  أهم مضامين هذا المشروع  في ما يلي:

  • تحديد الجهات الطبية المخول لها مزاولة مهام الطب الشرعي عن طريق تحديد المقصود بالطبيب الممارس لمهام الطب الشرعي وتحديد اختصاصاته وحقوقه وواجباته؛
  • تحديد كيفية انتداب الطبيب الممارس لمهام الطب الشرعي والجهات المخول لها انتدابه، بالإضافة إلى تنظيم العلاقة بين هذه الأطراف؛
  • التنصيص على التسجيل التلقائي والمباشر للأطباء المتخصصين في مجال الطب الشرعي بجداول الخبراء القضائيين لدى محاكم الاستئناف استثناء عن أحكام القانون رقم 45.00 المتعلق بالخبراء القضائيين، بغية تشجيع طلبة كليات الطب والصيدلة على اختيار هذا التخصص لسد الخصاص الحاصل في هذا الإطار؛
  • التنصيص على الحالات التي يتعين فيها لزوما الأمر بإجراء التشريح الطبي، مع تحديد حالات وكيفيات إجراء التحليلات على الأشلاء والعينات؛
  • تخويل الجهات القضائية المختصة وحدها صلاحية الأمر باستخراج الجثث التي تكون محل بحث قضائي؛
  • إقرار مبدأ استقلالية الطبيب الممارس لمهام الطب الشرعي في شأن القضايا الموكلة إليه من قبل السلطات القضائية؛
  • تمتيع الطبيب الممارس للطب الشرعي بالحماية القانونية أثناء مباشرته لمهامه وبمناسبتها، مقابل إلزامه بواجب كتمان السر المهني والتقيد بقواعد الحياد والتجرد والنزاهة والشرف؛
  • تحديد البيانات الضرورية التي يتعين على الأطباء الممارسين لمهام الطب الشرعي تضمينها في تقاريرهم؛
  • التنصيص على ضرورة رفع تقارير حول السير العام لأنشطة الأطباء الممارسين لمهام الطب الشرعي بدوائر نفوذ محاكم الاستئناف إلى السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، على أن يقوم هذا الأخير برفع التقرير التركيبي المنجز على ضوء التقارير السالفة الذكر إلى الوزارتين المكلفتين بالعدل والصحة.

وتجدر الإشارة إلى أن وزارة العدل ومواكبة منها للمستجدات التي يتضمنها مشروع القانون المتعلق بتنظيم ممارسة مهام الطب الشرعي، قد عملت على إعداد مشروع قانون يتعلق بنسخ وتعويض أحكام القانون رقم 23.86 المتعلق بتنظيم المصاريف القضائية في الميدان الجنائي.

ومن أبرز ما يرومه هذا المشروع إعادة النظر في نظام الأتعاب الخاص بالأطباء الممارسين لمهام الطب الشرعي وحل إشكالية هزالة التعويضات الممنوحة لهم، وذلك وفق مقاربة تستهدف الرفع من تلك الأتعاب بما يتماشى وحجم الأعباء الواقعة على عاتقهم.

تلكم حضرات السيدات و السادة المحترمون، لمحة موجزة عن مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة الطب الشرعي ، و السياق العام الذي رافق إعداده ، و هو كما أسلفتُ سيشكل بدون شك إضافة نوعية للترسانة القانونية الوطنية ، و سيساهم بكل تأكيد في إعادة تنظيم و هيكلة هذه المهنة بما يسهم في الرفع من قيمتها و مكانتها و دورها في قطاعي العدالة و الصحة .

حضرات السيدات و السادة الأفاضل ؛

إنني إذ أنوه باللجنة التنظيمية على حسن اختيارها لموضوع هذا اليوم الدراسي  و حسن اختيار توقيته و حسن اختيار المؤطرين و المحاضرين ، فّإنني ألتمس منكم جميعا المشاركة بكثافة في المناقشات التي ستلي إلقاء العروض ، مع تقديم الإقتراحات  و التصورات الكفيلة بتجويد المشروع المعروض حاليا على انظار لجنة العدل و التشريع و حقوق الانسان و صياغتها في شكل توصيات و إبلاغها إلينا في وزارة العدل ، و تأكدوا حضرات السيدات و السادة أن الوزارة ومن منطلق حرصها على ضمان الأمن القانوني  و الاجتماعي للمغاربة و صيانة حقوق المواطنين ، و تعزيز الحقوق و الحريات و ضمان المحاكمة العادلة ، ستتعامل بكل إيجابية مع المقترحات و الأفكار و التوصيات التي سيخرج بها هذا اليوم الدراسي و ستعمل على تعميق النقاش بشأنها مع أعضاء اللجنة المحترمين ، و الله أسأل أن يكلل أشغالكم بالتوفيق و النجاح و يبارك جمعكم هذا ، و يجعله جمعا مباركا ، و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.