كلمة السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة
بمناسبة الدورة الأيام الدراسية لقضاة النيابة العامة حول موضوع :
“تفعيل دور النيابة العامة في الحماية المدنية للطفل”.
أيام 22 و23 و 24 أكتوبر 2018 بمدينة مراكش

بسم الله الرحمان الرحيم.

إن تنظيم هذه الأيام الدراسية حول موضوع “تفعيل دور النيابة العامة في الحماية المدنية للطفل” ليكتسي أهمية بالغة. ليس فقط لأنه يجسِّدُ بجلاء الإرادة القوية لرئاسة النيابة العامة في التعاون مع منظمة اليونسيف في مجال حماية الطفولة، ولكن كذلك لإيماننا بأهمية دور النيابة العامة في مجال عدالة الأحداث.
ولذلك فإننا، إذ نهنئ أنفسنا على المستوى المتميز الذي بلغه التعاون بين رئاسة النيابة العامة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، والاتحاد الأروبي وشركاء آخرين، ونتقدم إليهم بالشكر والامتنان. لنؤكد عزم رئاسة النيابة العامة على الاضطلاع بدورها كاملاً في مجال عدالة الأحداث، وسعيها الطموح إلى توفير الظروف لقضاة النيابة العامة وتأهيلهم للوفاء بالتزاماتهم تجاه المجتمع، المتمثلة في حماية الطفولة والمساهمة في إصلاح النشأ وتقويم انحرافهم في إطار الصلاحيات التي يخولها القانون للنيابة العامة.
ولا يفوتني في هذه المناسبة أن أرحب بالسيدة ممثلة منظمة اليونسيف، والسيدة ممثلة مندوبية الاتحاد الأوروبي، وأشكرهما على الدعم المستمر للمؤسستين اللتين تمثلانهما لمجهودات النيابة العامة في النهوض بحقوق الإنسان عموما، وفي مجال عدالة الأحداث على الخصوص.
كما أعبر عن اعتزازي بافتتاح هذه الأيام الدراسية التي تحضرها ثلة من خيرة قاضيات وقضاة النيابة العامة المكلفين بتتبع قضايا الأسرة بمختلف محاكم المملكة، الذين يحضرون هذه الأيام، وكلهم حرصٌ وعزم على الاستفادة من النقاشات التي ستطرحها المواضيع التي سيتم تدارسها بشجاعة ومسؤولية، حول القضايا الهامة والتحديات التي يطرحها دور النيابة العامة في الحماية المدنية للطفل.
حضرات السيدات والسادة؛
لئن كان تنظيم هذه الأيام الدراسية في ظرفية تعرف فيها بلادنا إصلاحات جوهرية وهيكلية في مختلف الميادين. ولاسيما في مجال العدالة، التي شهدت ميلاد سلطة قضائية مستقلة لأول مرة في تاريخ البلاد. فإن المرحلة تستدعي من قضاة النيابة العامة، التعبئة الشاملة للمساهمة في برامج إصلاح العدالة المختلفة، التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. والذي تفضل حفظه الله بتوجيهنا، نحن قضاة النيابة العامة، إلى الدفاع عن الحق والنظام العامين وحمايتهما، والتمسك بضوابط سيادة القانون وبمبادئ العدل والإنصاف. وهي مهام لا يمكننا الاضطلاع بها إلا إذا تأتى لنا الانخراط الواعي والمسؤول في التكوين المستمر والتكوين التخصصي، والانفتاح على الخبرات والتجارب المقارنة في مجالات عملنا. وهو ما يجعل تنظيم مثل هذا اللقاء ضرورة لا مناص عنها.
ولذلك، فإن القضاء مدعو لأن يكون في مستوى هذه المرحلة التاريخية الحاسمة، عن طريق الارتقاء بخدماته إلى المستوى الذي يستجيب لانتظارات المواطنين. والرهان معقود على قضاة النيابة العامة ليقوموا – إلى جانب قضاة الأحكام – بأدوار طلائعية، تجسد المغزى الحقيقي من وجود هذه المؤسسة، وتبلور تصوراً جديداً لمهامها. وذلك باستثمار جميع الصلاحيات التي يمنحها لها القانون، من أجل حماية الحقوق والحريات والذود عن مصالح المواطنين، لاسيما الفئات الهشة وعلى رأسها فئة الأطفال.
وإذا كان الاعتقاد العام يربط المهام الرئيسية للنيابة العامة بتدخلها في المادة الزجرية، وتفعيل القوانين الجنائية، فإن هذا الاعتقاد هو مجرد جزء من الحقيقة، إذ أن أدوارها في المادة المدنية لا تقل أهمية، خاصة أمام تزايد النصوص القانونية التي تلقي بعبء تفعيلها على هذه المؤسسة.
أيها الحضور الكريم؛
إن مجالات اشتغال قاضي النيابة العامة والأدوار غير التقليدية التي أناطتها به مجموعة من القوانين من قبيل مدونة الأسرة، وقانون كفالة الأطفال المهملين، وقانون الحالة المدنية، ومدونة الشغل، وأخيرا القانون المتعلق بعمال المنازل… بقدر ما تُشَكِّلُ ميدانا خصبا تنعكس عليه خبرتكم واجتهادكم، بقدر ما تفرض عليكم الالتزام بالحرص والدقة والمسؤولية. وهي سمات ليست بعزيزة عليكم. ويتعين عليكم استثمارها لفائدة المصالح الفضلى للأطفال، وجعل تدخلاتكم في القضايا الأسرية بوجه عام، وزواج القاصر على وجه التحديد فرصة للقضاء على بعض التقاليد الضارة بالطفولة وإِنْهَاء بعض التصرفات المُهِينَة لفلذات أكبادنا. والعمل على إعطاء السيادة للقانون، واستلهام المصالح الفضلى لمعاملة الأطفال، من روح المواثيق الدولية المتعلقة بالطفولة.
حضرات السيدات والسادة القضاة؛
تقول العرب : “أطفالنا، أكبادنا تمشي على الأرض”. إذا أكلوا شبعنا. وإذا شربوا روينا ظمأنا .. وإذا مرضوا اشتد سهرنا وأرقنا.
ومن منطلق هذه المقولة، أدعوكم لاستلهام دوركم كقضاة مكلفين بقضايا الطفولة، لِأُذَكِّرَكُم أن عدالة الأحداث ليست عدالة زجرية ترمي إلى العقاب والزجر وأن قاضي الأحداث ليس ميزاناً يَزِنُ الأخطاء والعثرات، ليستخلص الثَّمَن لصندوق مداخيل الدولة.
أبداً. وأنتم تعلمون ذلك حق العلم، وتعونه حق الوعي. فقاضي الأحداث مربِّي ومعلم. لا يختلف دوره عن دور الأم والأب، ينشدان من معاملتهما لأبنائهما كل ما يقوي تربيتهم ويُقَوِّم اعوجاجهم ويصلح أحوالهم، ويعملان بصبر وثبات لإبلاغهم لبر الأمان في أحسن حلة من التربية وحسن الأخلاق، وتزويدهم بأفضل سبل العلم وأحسن قواعد التربية. حتى إذا قسا الأب أو الأم على أبنائه، فإنما من أجل الحفاظ على مصالحهم وليس لعقابهم. وتكون قسوته لينة في حدود الإصلاح، لا محطمة لآمال الطفولة.
اعلموا حضرات السيدات والسادة القضاة، أن عدالة الأحداث عدالة تربوية، وأن عليكم أن تمارسوها كمربين ينشدون المصالح الفضلى للمتعلمين. ولذلك ينبغي عليكم تأطير عملكم القانوني بأحدث الطرق التربوية وأنجح النظريات البيداغوجية. فالأطفال الذين بين يديكم هم بمثابة أكبادكم .. فحافظوا عليها .. إنها سريعة التلف.
إن انتظارات المجتمع منكم واسعة في هذا المجال. وإننا إلى جانبكم للمساهمة في تأطيركم بأحسن الخبرات وأجود التجارب. فلا تترددوا في إبلاغنا حاجاتكم.
كما أننا نطلب منكم أن تجعلوا كل تدخلاتكم – في الحدود التي يسمح لكم بِها القانون، لصالح الأطفال، وتغليب مصلحتهم الفضلى على باقي المصالح، واستثمار إشرافكم على خلايا التكفل بالأطفال والنساء لهذه الغايات، من خلال توظيف دوركم التنسيقي والتواصلي على المستوى المحلي والجهوي لتعميم هذه الثقافة وجعلها أمراً واقعاً وحقيقة معاشة.
وفي الختام. أرجو لكم التوفيق في مهامكم الصعبة. وأدعوكم إلى الإقبال على النقاش والحوار الجاد والبناء خلال هذه الأيام الدراسية. كما أرجو أن تَنْقُلوا الخلاصات التي سيتمخض عنه اجتماعكم هذا إلى محيطكم في كل جهات الوطن.
وباسمي وباسمكم أشكر المنظمين والمساهمين في التئام هذا اللقاء. كما أشكر الخبراء الذين يؤطرون ورشات هذه الأيام.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته