بسم الله الرحمان الرحيم
سلام تام بوجود مولانا الإمام دام له النصر والتمكين؛

الحضور الكريم؛
اسمحوا لي في المستهل هذه الكلمة أن أعبر لكم عن اعتزازي بالمشاركة معكم بأشغال الجلسة الافتتاحية لأشغال هذه الندوة العلمية المتميزة على مختلف المستويات، أولها أنها تأتي في سياق احتفاء وتكريم شخصية متفردة ساهمت بوطنية في مشروع إصلاح العدالة بمقاربة شمولية تشاركية حكيمة وأسست لتقاليد وقيم كبرى، شخصية من طينة معالي الأستاذ عبد الواحد الراضي، الذي نوجه له كل عبارات الشكر والثناء. ثم، أنها ندوة تتناول موضوعا ذي راهنية كبرى يحمل مضامين دستورية واقتصادية واجتماعية مختلفة ويكتسي أبعادا وطنية وإقليمية ودولية متعددة ويثير مجموعة من الإشكالات التنظيمية والإدارية والأخلاقية يطالبنا بكثير من الحكمة والجرأة والمواطنة.

واسمحوا لي أن أغتنم هذه المناسبة لأنوه بكل من ساهم في هذه المبادرة القيمة التي تبرز أهمية انفتاح السلطة القضائية على كافة الفاعلين واهتمامها بكل القضايا الكبرى للوطن وتفاعلها الايجابي مع انتظارات المواطنين.
وأخص هنا بالشكر والثناء السيد الفاضل المحترم الأستاذ محمد أوجار الذي يؤكد مرة أخرى من خلال هذا التنظيم المميز على أهمية المقاربات التشاركية من أجل التنسيق والتفعيل الأمثل لإيجاد الحلول الواقعية الناجعة لكل القضايا الكبرى للعدالة ببلادنا.
والشكر موصول لكافة المتدخلين والمشاركين الذين بكل تأكيد سيتيحون لنا من خلال تصوراتهم وآرائهم إيجاد الكثير من الاقتراحات والمبادرات من أجل خلق فضاء آمن للاستثمار ببلادنا.
فلكم جميعا عظيم الشكر وجزيل الثناء.

الحضور الكريم ؛
لا يخفى على كريم عنايتكم أن السلطة القضائية ملزمة دستوريا وقانونيا وأخلاقيا بحماية الحقوق والحريات وضمان الأمن القضائي للأفراد والجماعات والتطبيق العادل للقانون.
إن القضاء اليوم كما يقال هو القانون في حالة حركة وحياة، وقد أثبتت التجارب الإنسانية العالمية أنه مهما كانت النصوص القانونية الملائمة فإنها تبقى دائما قاصرة عن إيجاد الحلول لكل النوازل والقضايا ، لأنها تتناهى باعتبار عددها والوقائع لا تتناهى من حيث دلالاتها فيبقى الملاذ إذا هو السلطة القضائية لتدبير هاته الوقائع اللامتناهية والاجتهاد الخلاق من أجل إيجاد حلول لها.ط

وهي بالتأكيد أمانة ومسؤولية شاقة مضنية نرى ملامحها الإيجابية واضحة في العديد من توجهات محكمة النقض باعتبارها على رأس الهرم القضائي المغربي، حيث عمل قضاتها الأماجد على ضمان مناخ آمن للاستثمار من خلال العديد من القرارات التي كرست مبادئ هامة تجسد حرص القضاء على إيجاد التوازن وضبط العلاقات التجارية وتخويلها المرونة والشفافية والفعالية اللازمة أذكر منها الحرص على عدم تبديد أموال الشركاء، وإقرار حماية الدائن المرتهن وضمان سلامة ومرونة الإجراءات المسطرية في مجال الأعمال وتشجيع الوسائل البديلة لحل المنازعات والسهر على ضمان احترام الأنظمة الداخلية للمقاولات واعمال الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإجراء وضمان عدالة ضريبة من خلال تكريس المسطرة التواجهية عند فرض وتصحيح الضرائب وتخليق مجال التوثيق وتطهيره، وغيرها من المبادئ والقرارات المبدئية المنشورة بمختلف الإصدارات والكتب والندوات التي تشرف عليها وتنظمها محكمة النقض.
والأكيد أن كل الساعات المخصصة لهذا اللقاء لن تكفي لسرد جزء يسير من الاجتهاد القضائي المتنوع لمحكمة النقض في موضوع ضمان وحماية الاستثمار ، ولعل المطلع على آخر إصداراتنا سيبدو له جليا أنه من المواضيع الكبرى التي تحظى بأهمية وأولوية في مخططاتنا الإستراتيجية وأكتفي هنا بالإشارة إلى إصدار “التحكيم والوساطة الاتفاقية” و”الخبرة والخبراء” و”الأمن التعاقدي”و”الأمن البيئي” فضلا عن الندوات الدولية الكبرى التي نظمناها سواء مع إدارة الضرائب أو الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية أو الهيئة الوطنية للموثقين أو جمعية هيئات المحامين مثل ندوة قضايا الاستثمار والتحكيم من خلال توجهات محكمة النقض وندوة العمل القضائي والاستثمار والندوتين الدوليتين المنظمتين بتعاون مع القطب المالي تحت عنوان “أيام الدار البيضاء للتحكيم” وغيرها من الأنشطة المتعددة والتي استهدفت طرح رؤى ومقاربات تشاركية والتعريف بدور القضاء في ضمان الأمن المالي وتكريس الثقة الاستثمارية.
إنه من الصعب حصر وتفصيل كل ما نقوم به على مستوى محكمة النقض والسلطة القضائية في هذا الحيز الزمني الضيق لكن يمكن الاطلاع على كل ما رصدناه من أجل التعريف بهذه الذخيرة الغنية التي نعمل جادين على تطويرها وإغنائها.
وأغتنم هذه المناسبة لأدعو الجميع كل من موقعه إلى اقتراح تدابير عملية تساهم معنا في نشر المعلومة القانونية والقضائية المتعلقة بالاستثمار وإعداد دلائل عملية مبسطة على دعامات ورقية وإلكترونية وبمختلف اللغات للتعريف بهذا الرأس مال اللامادي واستثماره بكل مواطنة ووطنية.

الحضور الكريم؛
إن اهتمامنا بجودة الأحكام والقرارات القضائية على مستوى محكمة النقض واكبه عمل جاد من أجل تطوير الإدارة القضائية وتنويع خدماتها وعصرنتها وضبط وتيرة العمل والإنتاج القضائي ليكون داخل آجال معقولة.
لقد كان لزاما علينا العناية “بالزمن” الذي يعتبر عنصرا أساسيا لضمان الاستثمار وتكريس جهود كبرى لـحسن تدبيره حيث بلغنا بتوفيق من الله في السنوات الخمس الأخيرة معدلات جد مشرفة تضعنا بدون مبالغة في مصاف المحاكم العليا العريقة عبر العالم رغم كل الإكراهات والصعاب.
وعزمنا أكيد على مواصلة هذا النهج واقتراح حلول جديدة مبتكرة واقعية من أجل مزيد من تقليص آجال البت وتنويع وتجويد الخدمات الالكترونية وصولا إلى المحكمة الرقمية الذكية الآمنة التي تكرس الثقة وتشجع على الاستثمار.

الحضور الكريم؛
لقد وجه جلالة الملك نصره الله وأيده رسالة سامية بمناسبة أشغال المنتدى البرلماني الدولي الثالث للعدالة الاجتماعية الذي نظمـه مجلس المستشارين يـوم 19 فبراير من هذه السنة جاء فيها : “كما ينبغي أيضا الانكباب وبنفس العزم على إصلاح الإدارة العمومية لأنه لا يمكن تحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي حقيقي دون قيام المرافق العمومية بمهامها في خدمة المواطن وتحفيز الاستثمار”.
“وإننا ننتظر أن يفرز هذا المجهود الجماعي تجديدا عميقا في طرق التفكير وفي التعامل مع قضايا التنمية وتدبير الشأن العام وإجراء قطيعة حقيقية مع الممارسات التي تهدر الأمن والفرص التنموية وتعيق مبادرات الإصلاح وتكبل روح الإبداع والتفكير” انتهى النطق الملكي السامي.
إننا إذن أمام خارطة طريق واضحة الرؤية والآليات حول كيفية تدبير قضايا الشأن العام، حيث يجب تجاوز مرحلة التشخيص كسلط ومؤسسات ومرافق عمومية والمبادرة إلى العمل والتشبع بقيم التضامن والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق فإننا اليوم يجب أن نفكر في كل آليات التنسيق والتعاون بين كافة الفاعلين من أجل ضمان فضاء ديناميكي متطور سليم يحفز على الاستثمار ويضمن مناخا آمنا للأعمال.
استثمار له مضامين اقتصادية واجتماعية وحقوقية وإدارية وهيكلية ويفرض علينا مناقشة جريئة موضوعية حول مدى التزام كل جهة بأداء الأدوار المنوطة بها دستوريا وقانونيا ومدى انخراطها في هذه المقاربة الإصلاحية التي يقودها جلالة الملك بكل عزم وإصرار،
خاصة بعدما تمكنت بلادنا بفضل إصلاحات رئيسية تم إنجازها بين 2017 و2018 ، أن تكسب تسعة مراكز في تصنيف مؤشر الأعمال الدولي 2019 وانتقلت من المركز 69 إلى 60 متقدمة على العديد من الدول والتجارب العالمية.
واليوم نحن أمام التزام المسؤولية والمحاسبة الذي يقتضي منا ونحن نناقش السبل الكفيلة بخلق فضاء آمن للأعمال أن نستحضر ليس فقط قضايا مدونة التجارة رغم أهميتها بل يجب أيضا إعداد مقاربة شمولية مندمجة تتناول الجوانب المتعلقة بقضايا الضرائب والجمارك ومنازعات الشغل والعقار والتوثيق والخدمات القضائية و القانونية والقضائية والإدارية والمالية والإشكاليات التي فرضها التطور التكنولوجي والتجارة الالكترونية وغيرها حتى تكون الصورة مكتملة والحلول أكثر نجاعة وفعالية وواقعية من أجل تيسير ممارسة الأعمال ، وتنسيق المبادرات، وتهيئ الأجواء المناسبة للاستثمار ، وضبط كافة العناصر ، وقياس أنظمة نشاط الأعمال حسب المعايير المتوافق عليها عالميا مثل بدء النشاط التجاري واستخراج التراخيص وتسجيل الملكية والحصول على الائتمان ودمقرطة إدارة الشركات وتدبير عملية الإنتاج والاستثمار ودفع الضرائب و تطوير التجارة عبر الحدود وإنفاذ العقود وغيرها.
وهي كلها محاور يجب على الجميع الانكباب عليها بكل جدية وفعالية.

السيدات والسادات؛
رهانات كبرى أمامنا اليوم، من أجل إنجاح المشروع الإصلاحي الكبير الذي يقوده جلالة الملك بعزم وحكمة وتبصر، والسلطة القضائية التي تتشرف برئاسة جلالته، لن تدخر أي جهد من أجل المشاركة الايجابية في هذا الورش التنموي الهام والمساهمة من أجل تفعيل كل المبادرات الجادة التي تسعى إلى جعل المغرب وجهة آمنة للاستثمار عبر العالم.
ولي اليقين أن لقاءا من مثل هذا المستوى وبهذه النخبة المتميزة من القضاة والخبراء والمهنيين سيكون فرصة ملائمة لإعطاء مؤشرات ثقة وتأكيد وجود الإرادة الجادة من أجل استثمار يكرس التنمية الحقيقية ويضمن حقوق الأجيال القادمة.
كل الدعاء الصادق لكم بالتوفيق والنجاح ولأشغالكم بالسداد والفلاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته