جريدة صوت العدالة/منصور اليازدي

الاستاذ /خالد شخمان
باحث في القانون العام والعلوم السياسية. المغرب

في حمأة الصراعات الحضارية المتوهمة التي يشعلها في كل وقت وحين، دهاقنة السياسة وتجار الأسلحة، ومروجو الإشاعة، يستكين البعض منا عامدا أو ساهيا، إلى تأملات الغرب الفلسفية التي لم يعْيَ بفرضها،فرضا، على غيره من المجتمعات والتجمعات، ما دام له التحصن المنيع في أبراجه العاليات العاجيات: أكانت أبراجا إعلامية أم اقتصادية مالية، أم غيرها من الأبراج.. و يا ليت هذا البعض منا، وهو يستكين لهذه الاستكانة، يكتفي بتمجيد الآخر والنظر إليه كأقدس المقدسات، بل إنه لا يتوانى يقوض دعامات ومقومات هويته وخصوصيته بدعوى ضرورة الالتحاق بركب “كليات” الدين الكوني الجديد، الذي لا يضاهيه، بحسبه، دين آخر أو مولود جديد. فهو دين العقلانية، والحرية، والسماحة، والتنوير..
وأيا تكن مقامات هذا التبرك والتمسح المعتاد، فإن معالم الانقياد فيه فاقت كل انقياد، لكونه لا يتوقف، وحسب، عند التهليل لكل “حديث” ولو انفصل عن كل الجذور أو استجلب كل الشرور.. بل لأنه لا يتوانى يستقوي ب”المنقول” ضدا على “المأصول”، متوهما أن التحرر المنشود عربونه، الحقُّ، التخلص من “ظلمات” التقليد والاستعاضة عنها بارتماء في “نور” كل جديد. إذ صار، الإسلام ومفاهيمه ومصطلحاته وأدواته ورؤيته للكون وللناس وللوجود، وفق منطلقهم هذا، مدعاة للخصوصية المعيقة للتعارف بين بني الإنسان، ناهيك باعتبارها مكمن التهاوي به الى درك الخسران: همجية وقتلا ورفضا للآخر كيفما كان.. ولو أنهم باشروا آلة نقدهم –وهم أهل العقل والنقد- بعيدا عن استعصامهم المطلق الأعمى بعقلهم المجرد، لما فاتهم استبصار واستنظار آيات الآفاق والأنفس في هذا الكون الفسيح، وفق مقومات الدين الخاتم الذي طوق الإنسان بأمانة ليست ككل الأمانات، لأنها أودعت في عالم الغيب واختيرت وفق مقومات الاختيار المسؤول لا وفق الاختيار “الحر” المبتور.
ولما انبسط الإسلام بوصفه دينا استجمع شتات الأديان الأخرى: معتقدات وطقوسا. أقرها، حينا، على ما ينسجم مع فطرة التدين السليم المنوجد في كينونة كل إنسان وفي مدركات كل الأقوام، وهذبها، حينا آخر، على وفقِ ما تعارف عليه المستهدون من الناس أجمعين، وما استقرت واستوت عليه شرائعهم وسننهم السابقة، مراعاة لضوابط الاعتناء بأمانة الاستخلاف. فإنه يحق لنا مساءلة أولئك “المؤمنين” بالتراكم المعرفي والتاريخي عن مدى استحقاق الدين الخاتم الاستغراف من تراكمات التجارب الانسانية السابقة وتوطينها في قالب شامل مكتمل يستهدي بنوره الناس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم من أجل التحرر من القيود المادية الوثنية التي حبستهم سنينا عددا، بوصفها قيودا لا طاقة لهم على استيعابها، بله القدرة على تجاوزها وفك أغلالها.؟ أو لم يشكل الاسلام ضمن هذا المقام، ذاك المفترق من الطرق بين المستهدين من الناس (كل الناس)، والمستغنين منهم، المتوهمين امتلاك ناصية القدرة على تطويع الكون والتسيد على الخلق والتحكم في الرزق.. وفق مبررات المغالبة والتصادم لا وفق أولويات التعارف والتعاون.
لهذا تبرز قصة الاسلام قصة معجزة، منذ البدء، ليس وحسب لأن الله اختار العرب: نبيا وأرضا ولسانا، لهذه الرسالة (الله اعلم حيث يجعل رسالته)، وليس، كذلك، لأن الاسلام استجمع مقومات الشتات السائدة في الأرض العربية أنذاك (من عقيدة وألسن) بل لأنه جاء، أولا، برؤية جديدة للكون وللإنسان وللعلاقات بين الناس أدخلت السابق من أعرافهم وشرائعهم ومعتقداتهم وطقوسهم التعبدية في الآلة “العجيبة” لهذا الدين الخاتم الذي بقدر ما كان نصه المقدس قريبا من أفهامهم وأحاسيسهم وأعرافهم، بقدر ما شكل ثورة عليها: أو قل بإيجاز ثار عليها ثورة هادئة ناعمة، ثم استجمع، ثانيا، مقومات القوة عند العرب وآلفها مع مقومات القوة عند غيرهم، فجعل من خطابه رسالة منفتحة/مفتوحة موجهة إلى الناس كافة، لا إلى قبيلة أو جنس أو قوم بعينهم، حيث أضحى التراتب بين الناس يتم، لأول مرة، على أسس قيمة التقوى التي ترفع من يشاء وتذل من يشاء، خارج ضوابط وأعراف المادة أو الجاه أو السلطة أو اللون أو اللسان: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) الاية 37 سورة سبأ. وهو المنطق الذي استحث الناس أجمعين: عربا وفرسا وكردا وأتراكا وغيرهم، نحو مسارعة الخطى للظفر بهذا الانتماء الجديد الذي قيضه لهم نظام الإسلام الوليد.
وهذا بالفعل ما أهل العرب لتجاوز “ضعفهم” الشائع بين الأقوام والدول والتجمعات الأخرى، فصاروا أقوياء متحررين بفضل عقيدة التوحيد التي هذبت عقائدهم وطقوسهم التعبدية المألوفة لديهم من جهة، وكذا بفضل اللسان العربي المبين، الذي قيض لهم استجماع مقامات القوة في اللهجات العربية القديمة التي كانت ذائعة منتشرة قبل الاسلام بفعل التفاعل الذي ساد بين أبناء القبائل العربية. ناهيك عن ذاك الاسهام الذي حققه الترابط في منظومة القيم الاسلامية الموحدة التي لا تفصل بين التوحيد والتعبد والمعاملات في استيلاد نظم جامعة تستزيد من توثيق عرى الجماعة العربية المسلمة. إذ لما أضحى المسجد نواة تنظيمية متفردة وفرصة للالتقاء اليومي (خمس مرات في اليوم) بقصد التعبد والتذاكر والتفكر والتعلم والتربية ومناقشة أمور الدين والدنيا، فقد تحلقت حوله دور وأسواق وكتاتيب ومدارس، واستولد آهالا يخبرون دروب الحياة ونوائب الدهر ويرجعونها إلى أصولها من كتاب وسنة. فمنه –أي المسجد- كان يتم الترشيح الطبيعي للمهمات الاجتماعية والسياسية، إذ كان هو موضع بروز “أهل المسجد”، ومنه انفرج سلطان “أهل الحل والعقد” و”أهل القلم” والخبراء في شتى العلوم والصنائع.
فكان لهذه النواة التعبدية والاجتماعية دور بارز في استزادة تآلف الجماعة العربية وتعارفها فيما بينها من جهة، ومع غيرها من الأقوام والديانات، من جهة أخرى، حيث اتحد الناس وائتلفوا رغم اختلافاتهم القبلية والعقدية واللّسنية ضمن عقد “المدينة” بوصفه نظاما سياسيا لا نظاما عقديا، اتحادا متأسيا بقيمة التقوى ومسيجا بعدم الخيانة السياسية. فتم لهذه الجماعة السياسية ما لم يتم لها من قبل، حين تمكنت من تجاوز التبعية لغيرها ومن الاستفراد بأرضها، استفرادا دائما حرا كريما.
وهو بغير شك، تحرر جواني وبراني، استقدرهم عليه نظام الإسلام، وأمد الجماعة بفاعلية منقطعة النظير تَحرك فيها الناس في كل الاتجاهات من أجل الاعمار والتزكية، حيث مكنتهم فكرة الاستخلاف في الأرض، بالقدرة على الفعل من خارج منظومة السلطة المركزية، إذ اعتُبر كل مؤمن في هذه الجماعة “وليا للأمر” (فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، يقوم بما هو مسؤول فيه، دونما “تواكل”، حصري، على السلطة السياسية ومؤسساتها في القيام بوظائفها. وما ذلك إلا لأن التوحيد قد سلك بهم، كما أسلفنا، سبل الوحدة والترابط بين المعتقد والتعبد والمعاملات، في ظل وحدة للقيم منقطعة النظير، أسعفتهم في إنشاء “مدركاتهم الجماعية” وتقاليدهم على هديها، إذ أضحت حركتهم منضبطة مسارا ومقصدا إلى قيمة التوحيد (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين..) في انسجام تام بينها وبين القيم التعبدية والقيم التراحمية التعارفية. حيث مَثل التوحيد لله قيمة القيم ومدار حركة الناس ومناط استهدائهم، وشكلت مرجعيته فكرة الأفكار التي تستدير نحوها كل المفاهيم والسلوكات: ضبطا للمسار واستحكاما للمقصد، فنشأت الأمة العربية الإسلامية وفق هذه الرؤية التحررية من الداخل والخارج بوصفها رؤية جعلت من الحرية تحررا من كل القيود عدا ما كان منها مسارعة نحو “عبودية” الإله الضامنة لعدم التعبيد والخضوع لأي كان.
ومن ثم فقد صارت هذه الوحدة العقيدية معتصما قيميا للجماعة العربية المسلمة التي أخذت تتدثر بدثار عباداتها ومعاملاتها وسياساتها لترتفع في سلم قيمها نحو هذا التوحيد المانح، بحسبها، مقومات التراص والترابط في جل مجالات الحياة المفضية بالضرورة لتماسك الجماعة وتآلفها، إذ أمِن الناس، وفق هذا السلم القيمي الذي يتربع عليه التوحيد ك”قيمة جماعية عليا”، على حاضرهم ومستقبلهم، من نوائب الدهر ومكر مصالح بعضهم الشخصية، وأسقام أنفسهم العليلة، فإذا كان حد الزنى مثلا، يحمي الجماعة من الأمراض النفسية والجسمية والتفككات الأسرية والاجتماعية، فإن منظومة الاسلام تفردت في تحصين أعراض الناس وحيواتهم الخاصة، بأن تشددت ضد العابثين بهذه الحياة وبتآلف الجماعة حين استغلقت منافذ قذف الناس بالباطل والزور.
وهكذا وفي ظل هذه الجماعة الآمنة المتآلفة المتراصة، دبر الناس تشريعهم ومنازعاتهم وأقضيتهم وأمر تعليمهم وصحتهم وبيئتهم ومعاملاتهم وبيوعهم (بينهم وبين غيرهم)، وفق تلك الوجهة إلى الله، فلم تكن حركة الناس أنذاك، مثلما هي حركة المجتمع المدني حاليا، مثلا، تحتاج تنظيمات، وقوانين، وتقصدا بتحقيق “المصلحة العامة” المتنازع حولها والتي تضيق آفاقها ضمن “فقه” إرضاء أجزاء من المجتمع على حساب أجزاء أخرى.. بل كانت حركة متقصدة بتحقيق المصلحة المرسلة شرعا، بحسبانها مصلحة متحلقة حول مفهوم القرب من الله، قربا يصل العاجل بالآجل، ويعمر الحياة الدنيا من أجل الحياة الآخرة (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلات: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له..) رواه مسلم؛ فبنوا المستشفيات والجوامع/الجامعات، ورعوها واعتنوا بالعاملين عليها، وحفروا الآبار لسقي الظِّماء، واستهجنوا بيع الألبان للناس وبخاصة للأطفال، وأنفقوا على دور العلم والمساجد وأدوا أجور موظفيها، وشيدوا دورا للأرامل والمطلقات، وأنفقوا على الأطفال ومنعوا معاقبتهم وتعنيفهم (يذكر مصطفى بنحمزة أنه كان هناك وقف خاص بتعويض الأواني التي يكسرها الأطفال في المدارس والمنازل لكيلا يتم تعنيفهم)، وغير ذلك كثير مما عرفه الفعل الوقفي الاسلامي.
وجدير بالذكر أن هذه الجماعة كانت في مجمل هذه الحركة مبتعدة عن التلهف للسلطة أو للتسيد، لأن أعضائها كانوا يعتبرون أنفسهم دعاة هداة لا عطشى لإخضاع الناس وقهرهم. لهذا لم يكن يستهويهم الاعلام أو نشر أفعالهم وخيرهم، بل على العكس من ذلك كانوا، يخفونها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وهو الأمر الذي فرض على رجل السلطة السياسية أكان حاكما أم واليا أن يستحث الخطى للّحاق بركب هذه الحركة المتسارعة، فسار نفس المسار في هذا البناء والتشييد.. فحققت الجماعة العربية الاسلامية في أحلك أيام “استبدادها” -كمثل الجماعة الأموية- ما لم تضاهيه فيها جماعة بشرية أخرى.
وهكذا بقيت حكاية الاسلام شاهدة على أروع القصص في تاريخ البشرية من إعلاء لقيم التعارف والتسالم والتراحم، ليس، وحسب اتجاه البشر من نفس المعتقد، بل اتجاه الناس أجمعين أو قل اتجاه الخلق أجمعين من أطفال وأشجار وأحجار وحيوان وبحور وأنهار.. لأن هذه الأمة حينما استقام عيشها المشترك على قيم التراحم المتمنع على الأحقاد والأسقام والأمراض، انبرت، وهي تنفتح على غيرها من المجتمعات، تستحضر أمانتها المودعة في سبع سماوات: رعاية واستخلافا في الأرض، فحققت تعالقها معهم بالتعارف لا بالتعارك ( انا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله أتقاكم)، فتلاقحت الحضارة العربية الاسلامية الوليدة مع حضارات أخرى دونما إكراه للناس على اعتناق دين الاسلام، ودونما إذعان لفلسفات الاخضاع التسلطي التي كانت سائدة أنذاك عند “المجتمع الدولي”، بل كانت مبادئها ايذانا بانفراج نور مشع في العالم لم يشهد العالم قبله ولا بعده سلم ولا اطمئنان، لأن منطلقه وحدة بشرية مصدرها واحد لا يمكن أن يفرق الناس شيعا وطوائف تتناحر في ظل “صراع الحضارات” أو”نهاية التاريخ” أو سجن الانسان لأخيه الانسان في سجون فكرية وجدليات مادية لا قدرة له على تجاوزها إلا بالمزيد من الإذعان والخضوع لها.