بقلم : نجاة درواش

قبل توصلي بديوان * لامة لحروف *اقتسمت مع الزجال عبدو سلطان كاسمي لحظات ابداعية جميلة خلال احدى الملتقيات الثقافية حيث حظيت بالاستماع الى زجله قبل ان اقرأه وما ان وقعت يدي على الديوان حتى اثارني ما يشبه الفضول في الغلاف حيث توقفت على عتبتين اثنتين اولاهما العنوان : اختار الزجال عنوانا مكونا من لفظتين نجد من جهة مصطلح * لامة* والذي يحيلنا حتما الى مفهوم اللمة وهي الجماعة وتحيلنا بالأساس في الموروث الثقافي الى الموسم باعتباره طقس دوري سنوي تقيمه العديد من القبائل المغربية حول اضرحة الصلحاء تجتمع وتقيم الحفلات والولائم تتخللها انشطة ثقافية وهدا ان دل على شيء انما يدل على ان الشاعر باعتباره زجالا يهتم بالثقافة الشعبية .ثم من جهة ثانية نجد مصطلح الحروف والذي يحيلنا مباشرة الى فن القول الى الكلمة او * الكلام * بالعامية المغربية


اما العتبة الثانية التي اثارت فضولي ايضا هي لون الغلاف باعتباره علامة بصرية لما تثيره في نفسية المتلقي بزيادة درجة اقباله وقد توفق الشاعر في اختيار لوحة جميلة من لوحات الفنان التشكيلي فؤاد عنيز التي يغلب عليها اللون الاصفر وهو احد الوان الطيف السبعة وينتج بشكل اساسي من خلط اللونين الأخضر والأحمر وهو لون يبدأ من الاصفر الخفيف حتى يصل الى البرتقالي وفي الغالب تحملنا رمزية هذا اللون الى الاشياء الثمينة والقديمة كما يرمز الى الشمس بشعاعها الساطع والذهب بمعدنه النفيس وموسم الحصاد وسنابل القمح الطرية وكل هذه الدلالات سوف نجدها طبعا داخل نصوص الديوان.
بعد قراءة متأنية لمجموع قصائد الديوان والاستمتاع بها حصل ما يشبه نوعا من التواصل معها جعلني اتفاعل بشكل حقق لي الدخول في كل حرف من حروفه ولتحقيق هدا التفاعل وجدتني افك خيوط الديوان واسبر اغوار قصائده عبر هذه القراءة العاشقة لنصوص الزجال ملتمسة منه المغفرة على تلخيص صفحات ديوانه الكثيرة الرائعة الى سطور قليلة فجة.
عند قراءتي لقصيدة * منجم الكية * وجدت نفسي انزلق مزالق عذبة لذيذة امام الشخصية التي اختارها الشاعر وهي الانثى الشيء الذي وهبني عزيمة جعلتني انهض على قدمي لأعطي الثقة في عضلاتي الذهنية والروحية وكان الامر شفيعا لي لاتوحد معها لكنني هززت راسي لأتامل الصورة التي اراد الشاعر لقرائه بتناوله لتيمة العشق وتساءلت هل شاعرنا ضحية من نوع ما جعلت نفسيته مهتزة لا اضن دلك بل كانت مجرد كناية وضعت في الديوان لقد وضع جسدا وروحا ازاء فكرة ازاء رمز سماه الزجال امرأة مخاطبا اياها بصور شعرية وبناء درامي تشويقي جعلت ايقاع النص اكثر خفة واصبح حواره معها كشوكولاتا لذيذة تذوب في فم المتلقي وتترك مرارة في حلقه يشتهي معها المزيد :
يقول الزجال في قصيدة * منجم الكية* ص 13
يوم جابك الهوى
يتلوى يتشوى يتنخوى
وهزك ريح العطفة
اكبل ما يطفى

*****
وايضا في نفس القصيدة ص 14
مضرور……..
ونكول ما فيا والو
ومن والو جاتني شلا ضراير!

نستنتج ان النص الى جانب خاصية الايقاع الداخلي مع المعنى يخيم عليه نوع من الحزن بسبب غدر الفراق والام الغياب فعبدو سلطان كاسمي بصفته زجالا يتروى قبل ان تحمل الورقة شيئا من فكره يكتب ووعيه على جمهور سيقراه ويصغي اليه ربما لاجيال لاحقة لذلك يعمد على توظيف لغة عامية مغربية في متناول جميع المناطق اكاد اقول عليها انها لغة حداثية بامتياز ، فهو يتوخى الحذر ويحسب للكتابة حسابات بقدرته الاسلوبية في الحوار يحملنا في سفر ممتع :
يقول الزجال في قصيدة*نترجاك تكونيني* ص18:
نهار جبرتنيني شروق
فيوم من ايامك الربيع
وجبرتك غيمة
فليلة شاتية مظلامة
ونهار شفتك حية جاية
شفتيني ميت غادي

ولان الحرف كن دائما ملهما لأغلب الشعراء تغنى الزجال في قصيدة * عاهد الحروف * بجميل الكلمات ليتغزل بالكلمة ويجعلها معشوقته يتوسلها للعيش معه في لحظات عشق ابدي لم يتذوق معه حلاوة العناق ولهفة الاشواق حين يقول في قصيدة*عاهد الحروف* ص24:
لله يا حروف الزين
انتي فين نا فين ؟
نترجاك والرجى
فخالق الزين..
********
ويسترسل شاعرنا في نفس القصيدة ص 28 :
بيني وبين القلم
والدواية شاكية
شاهدة بالعدم
جثة هامدة
وعقل مدرم
*****
وايضا في نفس القصيدة ص 26 يقول

تصويرتي حبيبتي
فسيرتي.ف حيرتي
تشالي فخيالي لمسالي
حلفت بالله
وشدت حق الله
كبل ما تشوفني
ولا تعرفني
ومن عشا لبارح
ورا التراوح
الكبدة مداقت
حلاوة العناق
مزالة جايعة
م فطرت
بعد صيام
****

وأنا اتجول في هدا الديوان اثار انتباهي اشتغال الشاعر على تيمات اخرى غير الحب حيث اختار لنا من جود عطائه متنا جميلة استهدف من خلالها العودة بنا الى الامثال والحكم الشعبية في الثراث المغربي وهدا ليس بالأمر الغريب فالزجال من خلال قصيدة * سم الحكرة* يعبر عن صيحة مفعمة بالالم قد تكون ترجمة لواقع عايشه واثر في نفسيته وشكل داخله وقعا لم يجد بدا سوى التعبير عنه في قصائد حاول اشراكنا معه فيها لنجد انفسنا مجبرين على اعادة قراءتها مرات ومرات .
لا يكتفي شاعرنا بالبوح عما يعتريه من ضيق وألم بل حين تشتد عليه الخطوب يرتدي عباءة المتصوف الزاهد فيطرق باب الله العلي القدير متوسلا عفوه حيث يقول في قصيدة * من عندي ومن عندك* ص45و46 بلسان دارج من لغته اليومية القريبة من وجدانه :

عنداك يغرك الضامن الواكل اقواله
الضامن هو العالي كلشي يقدر يوقع
واياك رد بالك الفانية ما تسوى والو
غ-سلك وعدي ولي ما فيه نفع …..دفع
*******
لاتيق فالوقت البوحاطي يلا ضحك وتبسم
حال الدنيا م يدوم تعطي مرة ومرات تكلع
لاتأمن فالزمان الروحاني ينغز ما يرحم
شحال من واحد كان بشعره ليوما عاد اقرع

وقبل ان يختم الزجال ديوانه تناول تيمة اخرى على شكل شدرات بديعة التأليف جعلتني اتواصل مع مانسجه في قصيدة * وسادة الفراق* والتي احدثت خلخلة في جهاز التلقي وجدتني امام عالم جميل من المعاني والصور ابدع من خلالها الزجال في إيصالنا لحرقة الفراق ولوعة لاشتياق :
يقول الزجال في قصيدة * وسادة الفراق* ص39

قاطع حسي
وقت الراحة نتسنى مدروك
اشحال كد الراحة فهواك يطلب السلاك من هاد الزمان
******
مهجور منسي
ذات مجروحة مسكونة ملوك
لامرسول منك تفكرني وجاني لابرية قاصدة عنوان

وهاهو شاعرنا يختم ديوانه بقصيدتين من أروع ما قرأت وهما * حكايتي معاك* و*جيتي موخرة* يتوسل من خلالها الى تيمة العشق او كما سماه * البغو* حيث تناولها بصور غاية الابداع وكيف لا والحب هو تلك العاطفة الانسانية الواسعة التي تشمل الكون بأكمله فالبنسبة للشاعر كانت الكلمات وان جاءت في اغلب الاحيان عبر بعض الرموز والإغراق في التصوير او الخيال الفني ترجمة حقيقية لمشاعر الزجال:
يقول الزجال في قصيدة *جيتي موخرة:ص86
كنتي تساعفيني
كون بصح تبغيني
فعيشة الهنا ركديني
ومن حبال طوال
فكيني نجيني عتقيني
*****
وائا في قصيدة*حكايتي معاك*ص80
املكتي روحي
مشات تزهق
رشيتى عظامي
شحال منها تشق
امحيتي حلامي
ما خليتيها تتحقق
واليوم هزني سلامي
رسلت ليك مرسال

وانطلاقا مما سبق ولكوني لا اريد ان ارسم حروفا نقدية بل اخترت من حديقة هذا الديوان مجموعة من القصائد وقطفتنها عبر قراءة عاشقة لأنثرها عطرا يفوح في صدر كل من تناول هدا الديوان من خلال قصائد رغم طولها لكن الشاعر وبتوحده معها يجعلك تخاله كصوفي يترنم على ايقاع شطحات لا يصل من خلالها الى المبتغى الا حين يصل الى درجة الكمال والتوحد وهدا ان دل على شيء وانما يدل على ان الزجال يملك طاقة حرفية غزيرة تقوده الى المغامرة الى حرق المألوف والى تمتيع القارئ اخر نفس في القصيدة .