حسن العاصي –كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

لا نبالغ إن قلنا إن إسرائيل كانت حلماً للصهيونية قد تحقق، ومنذ تأسيس هذه الدولة عمل قادتها بشكل دؤوب وواضح وصبور على تحقيق أحلامها في السيطرة ليس فقط على المنطقة العربية، بل تحلم أن يمتد نفوذها إلى القارة الإفريقية. لأجل هذا الحلم استخدمت إسرائيل كافة وسائلها وأسلحتها ودهاء قلدتها وخبث سياسييها كي تصل إلى مبتغاها، تماما بعكس ما يقع على الجبهة الأخرى العربية والإسلامية والإفريقية المضادة للأطماع والأحلام الصهيونية في التوسع والهيمنة على مقدرات شعوب المنطقة.

 

صورة المشهد التاريخي في العلاقات الإفريقية-الإسرائيلية

منذ قيام إسرائيل الصهيونية، نشطت دبلوماسيتها باعتماد سياسة جذب الأطراف، حيث سعت حثيثاً لإقامة علاقات مع محيطها العربي وعمقها الإفريقي. ونجحت إسرائيل في التواصل مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ومع عدد من الدول في القارة السمراء مثل اثيوبيا، إيريتريا في خمسينيات القرن العشرين. لكن بعد حرب عام 1967 بدأت علاقات إسرائيل تهتز مع عدد من البلدان الإفريقية منها أوغندا، غينيا، الكونغو، تشاد. شكلت حرب العام 1073 نقطة تحول في العلاقات الإفريقية-الإسرائيلية، حيث تمكنت الدبلوماسية العربية من دفع معظم الدول الإفريقية لقطع علاقاتها مع إسرائيل.

إذ أنه عقب الهزيمة التي مني بها العرب في العام 1967 أبدت الدول الإفريقية تعاطفاً شديداً مع العرب، ونظرت إلى إسرائيل على أنها قوة احتلال غاشمة لفلسطين وللأراضي العربية. كانت معظم بلدان القارة السمراء ترتبط بعلاقات وثيقة مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي كان يدعم حركات التحرر الإفريقية ونضالها للانعتاق من الاستعمار الغربي البغيض. في العام 1972 قامت كلاً من “أوغندا، تشاد، مالي، النيجر، الكونغو، برازافيل، بوروندي، زائير، توجو، بقطع علاقاتهم مع إسرائيل تضامناً مع فلسطين والعرب. مباشرة بعد حرب العام 1973 بين العرب وإسرائيل اجتمع مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية في أديس ابابا، حيث طالب المجتمعون من إسرائيل الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة، واتخذوا موقفاً حاسماً من الدول التي تدعم إسرائيل وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وانتقدوا المساعدات العسكرية الأمريكية الضخمة التي تقدمها أمريكا لإسرائيل. ارتفع على الفور عدد الدول الإفريقية التي قطعت علاقتها مع إسرائيل إلى 27 دولة.

اتخذت الدول الإفريقية مجتمعة في نهاية سبعينيات القرن العشرين قراراً يقضي باعتبار إسرائيل دولة نظام عنصري استعماري تشبه تماماً الأنظمة العنصرية الاستعمارية في القارة الإفريقية وهي جنوب إفريقيا، روديسيا التي قامت زيمبابوي فيما بعد على شطرها الجنوبي. كما أقرت الدول الإفريقية المواجهة الشاملة مع هذه الكيانات العنصرية، وفرض حالة من الحظر التام عليها، وأهمية العمل على زيادة عزلة إسرائيل في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، وهذا ما كان حيث قامت جميع دول القارة السمراء بقطع علاقاتها مع إسرائيل باستثناء كلاً من ملاوي ومورشيوس وليسوتو وسوازيلاند. كما دعا الموقف الإفريقي حينها إلى الأهمية القصوة لاستخدام سلاح النفط ضد الغرب الاستعماري الذي يدعم إسرائيل ضد المصالح الفلسطينية. الدول الإفريقية التي تنتج النفط وهي ليبيا، نيجيريا، والجزائر الذي اصطدمت جهودها في توظيف سلاح النفط لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية والغربية، بجدار التجاذبات والخلافات العربية-العربية والإفريقية-الإفريقية، وهو موقف يسجل للجزائر في دعمها التاريخي للشعب الفلسطيني. هذا الأمر الذي لم تنساه إسرائيل للجزائر التي ظلت على لائحة الاستهداف الإسرائيلي، حيث تعتبر إسرائيل أن الجزائر من أشد الدول عداوة لها.

ماذا فعلت إسرائيل

لم تستكين إسرائيل لهذا الواقع، بل استمرت محاولاتها بالهادفة إلى ترميم علاقاتها مع الدول الإفريقية، وإعادة بناء جسور للوصول إلى العمق الإفريقي. ثم عبدت اتفاقية السلام “كامب ديفيد” التي تم توقيعها بين مصر وإسرائيل في العام 1978، الطريق نحو القارة السمراء أمام إسرائيل، التي نجحت في توظيف هذه الاتفاقية، في فتح أبواب عدد من الدول الإفريقية أبوابها أمام إسرائيل، وهي أبواب كانت فيما سبق مغلقة في وجهها بحكم انحياز الدول الإفريقية إلى جانب القضية الفلسطينية، وإلى جانب العرب عموماً في قضاياهم وخاصة صراعهم مع إسرائيل.

لم تتأخر إسرائيل كثيراً في العودة إلى إفريقيا. في العام 1981 وقعت إسرائيل اتفاقية تعاون عسكري مع زائير، وهي الاتفاقية التي مهدت لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وتطورها بين البلدين. وتوالت بعد ذلك الانهيارات في جدار الصد الإفريقي في وجه إسرائيل البغيضة. في العام 1982 عادت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وزائير. في العام 1983 مع ليبيريا، في العام 1986 مع ساحل العاج والكاميرون، في العام 1987 مع توجو، السنغال، نيجيريا. ثم في تسعينيات القرن العشرين استطاعت إسرائيل أن تحدث اختراقات جديدة في الجدار الإفريقي، حيث استطاعت مع انتهاء الحرب الباردة بين القطبين، من استعادة علاقاتها مع أربعين دولة إفريقية.

وعلينا أن نتذكر أن إسرائيل قامت خلال فترة الثمانينيات بنقل عشرات الآلاف من يهود “الفلاشا” من إفريقيا، وكان لإسرائيل دوراً كبيراً في الحروب الأهلية والصراعات المحلية في عدد من دول القارة السمراء، خاصة الحرب بين قبيلتي “التوتسي والهوتو”، حيث قامت بتزويد الجيش البوروندي والرواندي بالأسلحة والعتاد. كما أن إسرائيل دعمت بقوة الحركة الانفصالية في الجنوب السوداني التي أدت إلى تقسيم السودان. ودعمت البغيضة إسرائيل إثيوبيا في صراعها مع الصومال. وقبل استقلال إريتيريا في العام 1993 عن إثيوبيا بعد ثلاثين عاماً من القتال، قامت إسرائيل بافتتاح سفارة لها في أسمرة، لتنضم أوغندا إلى لائحة الدول التي أعادت علاقاتها مع إسرائيل في العام 1994، ثم جاء الدور على تنزانيا في العام 1995، بعد مقاطعة استمرت 22 عاماً.