عبدالحق افرايحة

لا يختلف اثنان بـأن تاريخ اليسار المغربي هو تاريخ صراعات ،تاريخ انشقاقات وتشتت،حتى بات كل منشق ينسب لنفسه الملكية الشرعية لليسار في صيغته المغربية إن صح التعبير،كما لا يخف على أي متتبع أو مهتم بتاريخ أحزاب اليسار في المغرب ،أن هذه الانشقاقات والصراعات داخل بيت اليسار،مردها غياب الديمقراطية الداخلية وتغليب أسلوب الهيمنة والاستحواذ والاستفراد في القرارات، مسألة الديمقراطية الداخلية طرحت حولها العديد من الأسئلة في راهنيتها ولم تجد لها أجوبة إلا الانشقاق وتأسيس حزب يساري ينهل من نفس المرجعية،أو الانسحاب من التنظيمات اليسارية، ومنها الانسحاب بشكل ما من الساحة السياسية برمتها،كرد فعل على عدم وجود جو مناسب لممارسة الفعل السياسي،الذي يبتدئ من داخل التنظيم ليترجم على أرض الواقع في المجتمع،فإذا كان التنظيم غير ديمقراطي ،فكيف السبيل لترجمة المشروع السياسي المزعوم في المجتمع الذي ينشد الديمقراطية في مفهومها الشامل؟ أما نظرية المؤامرة والجهات الخارجية-الداخلية،التي ترفع في كل محطة تطالب بإعمال الديمقراطية،ما هي إلا شماعة يعلق عليها البعض من اليسار هذه الانشقاقات من جهة ،او استهداف التنظيم من جهة ثانية.

لا نريد التحدث عن المسار التاريخي لكل الانشقاقات التي عرفها اليسار المغربي من الاستقلال إلى اليوم،لأن المراحل التي مر منها اليسار تقتضي بحثا مفصلا يجيب على عدة أسئلة لا زالت معلقة إلى حين،ما نريده هو واقع اليساراليوم،في ظل كل الأحداث التي تعاقبت خلال تشكله وقوته وضعفه وسبل إحيائه ،وهذا اليسار يمثله اليوم في شقه المحافظ “اليسار الديمقراطي”،والذي تشكل تحت يافطة ما  يسمى “فيدرالية اليسار” في ذات ربيع من سنة 2012 بالرباط ،وما تعانيه تنظيميا بين مكوناتها، وما تتعرض له من هجوم وتحامل من الخارج ،سواء من الخصوم السياسيين أو من طرف ما يصطلح عليه في أبجديات اليسارب ” المخزن” بشكل من الأشكال.

تشكيل فيدرالية اليسار شكل وقفة للتأمل فيما يقع لليسار بمختلف تكويناته،وطرح معها سؤالا عريضا ،عميقا ومنطقيا: هل بالإمكان إحياء يسار حقيقي قادر على مواجهة كل التحديات والصعوبات التنظيمية الداخلية بالأساس،وقبله تحديات المرحلة الراهنة للعمل السياسي المتسم بالعزوف والنكوص والتراجع القيمي والمذهبي،أو مواجهات التحديات البرغماتية التي تفرضها المرحلة ،حتى نتجاوز الاخفاقات التي عانى ولازال يعاني منها اليسار اليوم في المغرب؟.

الفيدرالية صارت اليوم بديلا شئنا أم أبينا، لتجميع قوى اليسار التقدمي الحداثي،الذي يصطف إلى جانب الطبقة الكادحة وعموم الجماهير الشعبية،وها قد مرت أكثر من 7 سنوات على التأسيس،غير أنها لا زالت لم تجب على سؤال يؤرق الكثيرين،وهو إمكانية  تحقيق الفيدرالية لحلم اليساريين ومعه الجماهير الشعبية،بتحقيق الاندماج المنتظر،باعتبارها تتشكل من أحزاب كلها قادت حركات تصحيحية  من داخل الحزب الأم ،وأخرى تأسست استجابة  لقرارات نقابية محضة مغلفة بما هو سياسي،فهل الفدرالية بإمكانها أن تحقق ما لم يتحقق سابقا في كل الأحزاب اليسارية التي لها نفس المرجعية الاشتراكية؟وهل الفيدرالية لا تحمل في مكوناتها نقيضها الليبرالي؟وعن أي مشروع مجتمعي يمكن أن يتحقق الاندماج المنتظر؟وهل الفيدرالية قادرة على إعادة الأمل للناخب المغربي ومنه إعادة الثقة في العمل السياسي،اعتبارا لتجارب بسيطة متضاربة المواقف (تجارب بعض المجالس الجماعية، ابانت عن جشعها وطمعها في المناصب ضد كل المبادئ المتعارف عليها في التنظيمات اليسارية وضرب قرارات الهيئة التنفيذية عرض الحائط)؟وهل الفدرالية في تحقيقها للاندماج لها من الامكانات الموضوعية والذاتية والتنظيمية ،لوضع تصور شامل حول الإصلاحات التي يمكن أن تتحقق من خلال المشروع المجتمعي المنتظر؟وهل بالإمكان أن يتنازل اليساريون”الفدراليون” عن أنانيتهم”  لتحقيق الاندماج المنشوذ؟ثم كيف ستدبر مسألة الزعامة في الفدرالية؟والتي لازالت مثل هذه النعرات  تعشش في ذهن الكثيرين،خاصة في صفوف تيار يعتقد أنه الأكثر تمثيلية،مع استحضار عدم التوافق بين فصائل الفيدرالية في الكثير من المواقف والمحطات،رفض الآخر اليساري؟

أسئلة كثيرة تحرج الكثير من اليساريين في صفوف الفدرالية،غير أن الأمل يبقى قائما، أمل تجاوز الاختلافات وليس الخلافات،لتدليل الصعوبات وتحقيق الاندماج المنتظر،وفق منظور محدد،متطور،قابل للتنزيل،مبني على أسس فكرية شاملة وموحدة ،تجيب على أسئلة راهنية،وتحفز في نفس الآن الذاكرة التاريخية لليسار،في سيرورة تركيبية بنائية لحزب يساري محدد الهوية،قادر على خلق نوع من التوازن داخل المنظومة السياسية،معبرا عن مواقفه في كل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وفق الهوية الاشتراكية ،بشكل واضح لا غموض فيه،ومنفتح على كل التجارب التي قد تغني التجربة ،التي لا زال لم يكتب لها النجاح إلى يومنا هذا.

إذا كان مصدر السلطة والسيادة والحكم هو الشعب في كل الديمقراطيات المتعارف عليها،فإن مصدر الزعامة-المتنازع حولها سرا- أو القيادة التنظيمية ،هم المناضلين والمنخرطين من القاعدة إلى القمة،مما يضمن تحقيق اليمقراطية الداخلية ،التي تبقى إلى حدود اليوم، شعارا لا أقل ولا أكثر،داخل دهاليزجزء كبيرمن التنظيمات المكونة لفيدرالية اليسار،وكم عشنا لحظات عبر محطات عدة سواء وطنيا أو إقليميا وحتى على مستوى أقل،كيف تغتال الديمقراطية  بشكل أو بآخر،فغياب الديمقراطية الداخلية يشكل أكبر عقبة أمام تحقيق الاندماج المنتظر،وهي العقبة التي يجب أن ينظر إليها من زاوية الحفاظ على الهوية التنظيمية وليس الهوية الذاتية،وهذا ما يشكل لدى البعض ،ممن يسعون إلى تجاوز هذا الإشكال،ذاك الباب الذي يجب أن يفتح على مصراعيه،للنقاش الجدي والمسؤول حول هذه النقطة بالذات،لتفادي الوقوع في نفس الاخطاء القاتلة سابقا،والتي أدت إلى تذرير اليسار.

من جهة أخرى لابد من تجاوز الخلافات الفصائلية داخل مكونات فدرالية اليسار الديمقراطي،ومنها تجاوز الرفض التنظيمي ثم الذاتي المرتبط ب”الأنا” أو بعبارة ادق ،تجاوز انا الاقوى (تنظيميا وعددا)،فالكل له نفس المرجعية،وعوض توجيه المدفعية نحو الخصوم،يصر البعض توجيهها نحو الرفاق بمجرد الاختلاف حول منهجية تدبيرية،هذه الإشكالية تعيد انتاج نفس التساؤل المرير الذي لازال معلقا،وهو كيف سيتحقق الاندماج بين مكونات الفدرالية في ظل الإقصاء ورفض الآخر الذي ينظر إليه على انه ضعيف (عددا) وليس فكرا او تنظيرا؟

في الحقيقة هناك العديد من المعيقات-هذا ليس بخطاب تيئيسي-لكن تبقى هذه المكونات إذا ما عملت على تدليل الصعوبات التي تقف في وجه الاندماج،بدء من تحقيق مبدإ الديمقراطية الداخلية،ثم العمل على برامج  تجيب على أسئلة ماهية اليسار اليوم في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية،ثم الارتقاء بالبرنامج السياسي والثقافي-الفكري لتحصين الفدرالية التي تعيش مخاض ولادة الحزب اليساري الديمقراطي الجماهيري او الشعبي المنتظر،مع اعتماد الفكر الماركسي منهجا واجتهادا لإعادة التوازن في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لقد حان الوقت لتوحيد قوى اليسار في المغرب،وعلى التنظيمات المكونة لفدرالية اليسار،أن تنخرط بشكل جماعي ،وتسارع الزمن السياسي،من أجل تحقيق هذا المبتغى،وهي فرصة لن تكرر في ظل التراجع الخطير على عدة مستويات،بعد صعود التيار الاسلاموي الذي مارس ساديته على عموم الجماهير الشعبية،وهي فرصة ايضا للإجابة على انتظارات هذه الجماهير التي يبقى اليسار هو املها لقيادة مسيرة التغيير…