بقلم: ذ. محمد الشبة

يروم تدريس الفلسفة ترسيخ جملة من الكفايات الاستراتيجية والمنهجية والقيمية والمعرفية والتواصلية لدى المتعلمين، بحيث تكون الغاية القصوى هي نقل مزايا تلك الكفايات من مستوى المتعلمين كأفراد إلى مستوى الفضاء الاجتماعي ككل، لكي تغدو مبثوثة ومنتشرة في فضاءات المجتمع ومجالات الحياة برمتها، نظرا لما لتلك الكفايات الفلسفية من دور هام في تهذيب السلوك والسمو بالقيم وتحرير الفكر والارتقاء بالأمم من الهمجية إلى التحضر.
بيد أن بلوغ هذا الهدف النبيل تعترضه العديد من العوائق المتداخلة والمتشابكة، والتي يتعين تشخيصها وتحليلها في أفق اجتراح حلول ممكنة لها. ويمكن، في هذا الإطار، الوقوف عند عوائق ثقافية وقيمية وتربوية وبيداغوجية-ديداكتيكية وتكوينية-معرفية ومادية-تقنية، بحيث أن هناك عوائق ترتبط بالمثلث البيداغوجي؛ المقرر الدراسي والمدرس والمتعلم، وعوائق تأتي من القيم والثقافة السائدة داخل المجتمع، وأخرى ذات طابع مؤسساتي، سواء تعلق الأمر بمؤسسات الدولة أو بالجامعات أو بمراكز التكوين. ولكل صنف من هذه العوائق تأثيره السلبي على الوضع الذي يعرفه تدريس الفلسفة بالثانوية التأهيلية المغربية، وهو تأثير تختلف حدته ودرجته من عائق إلى آخر، دون أن ننسى التقاطعات والتداخلات الحاصلة بينها.
1- عوائق اجتماعية وثقافية:
يأتي المتعلمون إلى الدرس الفلسفي وهم يحملون أفكارا وتمثلات قبلية عن الفلسفة وعن مدرسها، وهي تمثلات تختزن في طياتها تصورات قبلية وأحكام جاهزة حول الفلسفة، مستمدة من المحيط السوسيوثقافي السائد. ويمكن القول بأن هذه التمثلات التلاميذية ذات الحمولة الاجتماعية هي من بين العوائق التي يجد مدرس الفلسفة نفسه في مواجهتها، ومرغما على تصحيحها ونقدها، واستبدالها بتصورات أخرى أقرب إلى حقيقة الفلسفة، كممارسة عقلية وفكرية تجسدته عبر تاريخ الفلسفة.
فهناك إذن تمثلات يستمدها المتعلمون من “اليومي” المتداول، وترسخ لديهم من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية، حول طبيعة الفلسفة وحول جملة من السمات والخصائص التي يتميز بها الممارسون للتفكير الفلسفي، سواء كانوا فلاسفة أو معلمين للفلسفة أو دارسين لها. ولهذا تكون مهمة مدرس الفلسفة هي تصحيح تلك التمثلات وممارسة النقد اللازم عليها من جهة، والعمل على البحث عن وسائل ديداكتيكية مناسبة لتقريب الفلسفة من أذهان المتعلمين من جهة أخرى.
ومن بين تلك التمثلات التلاميذية ذات الأصول الاجتماعية هي اعتبار الفلسفة زيغا وزندقة ومروقا عن الدين، أو اعتبارها ثرثرة وكلاما فارغا ولغوا لا طائل من ورائه، أو اعتبارها حمقا وجنونا، وفي أحسن الأحوال النظر إليها ككلام غامض وغير مفهوم أو تفكير بعيد عن الواقع يمارسه بعض الحالمين وهواة التفلسف!!
ويمكن اعتبار هذه التمثلات بمثابة عوائق ذات طبيعة اجتماعية وقيمية؛ إذ أنها مستمدة من الثقافة السائدة والمرسخة لدى الأفراد عبر التنشئة الاجتماعية، كما أنها تعكس طبيعة القيم والتصورات الضاربة بجذورها في المخيال الاجتماعي المتغلغل في عقول ونفوس الأفراد. فهناك خوف من الفلسفة من طرف الثقافة الموروثة والمكرسة اجتماعيا، وهو الأمر الذي يحتم ممارسة النقد على الموروث الثقافي من أجل نقده ودراسته دراسة علمية، من شأنها أن تمكن من انفتاحه وخلق مصالحة بينه وبين الفكر النقدي والعلمي المعاصر.
ومن هنا، فمهمة تصحيح الأحكام الجاهزة حول الفلسفة ونقد التمثلات السائدة حولها، هي مهمة غير منوطة بمدرس الفلسفة لوحده، بل ينبغي أن تقوم بهذه المهمة أطراف أخرى؛ كالمفكرين والجمعويين والحقوقيين والإعلاميين ومراكز البحث العلمي والمثقفين التنويريين عموما.
وبفعل التأثير الذي تمارسه هذه التمثلات الاجتماعية تصبح الفلسفة، بهذا القدر أو ذاك، جسما غريبا في المنظومة التربوية. وتصبح مهمة مدرس الفلسفة هي نزع الغرابة عن الدرس الفلسفي؛ وذلك عن طريق ابتكار وسائل بيداغوجية وطرائق ديداكتيكية من شأنها تقريب حقيقة التفكير الفلسفي من أذهان المتعلمين، وتحبيب الفلسفة إلى قلوبهم وعقولهم، وربطها بحياتهم وبمحيطهم الاجتماعي من أجل إبراز جدواها وقيمتها سواء بالنسبة للفرد أو للمجتمع.
وفي هذا السياق قد يعتبر البعض أنه لا يوجد تناسب أو توافق بين ما يدرس فلسفيا من مفاهيم وإشكالات ونظريات من جهة، وبين ما هو سائد من وظائف داخل المجتمع أو ما يحتاجه هذا المجتمع من جهة أخرى. ونحن نجد بالفعل مثل هذا المشكل مطروحا في المجتمع المغربي وفي المجتمعات العربية عموما؛ حيث أن آفاق التشغيل بالنسبة لخريجي شعبة الفلسفة تكاد تقتصر على ممارسة مهنة التدريس فقط، وأن من يشتغل من هؤلاء الخريجين خارج إطار قطاع التعليم فهو يشتغل على أساس أنه يحمل دبلوم إجازة أو ما شابه بغض النظر عن الحمولة المعرفية والفلسفية لهذا الدبلوم، بحيث لا تكترث الإدارة المشغلة بالتكوين الفلسفي للموظف بل ما يهمها هو أنه يحسن القراءة والكتابة، ويتلقى تكوينا يتناسب مع طبيعة العمل الذي سيزاوله في تلك الإدارة.
ويتطلب انحسار آفاق الشغل أمام خريجي شعبة الفلسفة التفكير في أمرين أساسيين؛ أحدهما هو ضرورة تجديد المناهج وتجويد المقررات الدراسية الفلسفية، سواء على مستوى الإشكالات أو المضامين، لكي تتناسب مع مستجدات الراهن ومع التحولات التاريخية والاجتماعية الحاصلة في المجتمعات العربية خاصة، وفي المجتمع الدولي بصفة عامة. والأمر الآخر هو أن على الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين أن يجعلوا التحولات والتطورات تسير في اتجاه إرساء دعائم المؤسسات الديمقراطية وتشجيع مراكز البحث العلمي وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، مما سيتطلب ولا شك كفاءات في مجال الفلسفة وعلوم الإنسان، وهو الأمر الذي سيساهم في المزيد من خلق فرص الشغل بالنسبة للأفراد الذين تلقوا تكوينا معرفيا وعلميا في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع.
وهكذا، فإن تحديث المجتمع والعمل على نشر ثقافة الحوار والتواصل والإيمان بالاختلاف، والحرية والنقد والانفتاح، في المجال الاجتماعي وفي الوسط المدرسي، وما يتطلبه ذلك من نقد ومراجعة للموروث الثقافي وإخضاعه للدراسة العلمية، من شأنه أن يضعف أو يحد من عوائق تدريس الفلسفة ذات الطبيعة الاجتماعية والقيمية المستمدة مما هو سائد في الوسط السوسيوثقافي.
يتبع…