بقلم: عبد الرزاق سماح

 

لقد كانت المسيرة الخضراء في القرن الماضي سنة 1975م بمثابة ملحمة تاريخية إنبثقت عن عقلية عبقرية أبهرت العالم في حينها بمنهجها واستراتيجيتها وأهدافها وأساليبها،مسيرة سلمية بمشاركة شعبية بتنوع طبقاتها،مشيا على الأقدام سلاحها القرآن وشعارها الوحدة الوطنية، تعبيرا على تلاحم الأمة مع قيادتها في شخص الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله.
فأصبحت هذه الذكرى منذ ذلك الحين تعبيرا عن استرجاع الحرية لأقاليمنا الجنوبية المستعمرة،لتحيا كمثيلاتها في وطننا العزيز مرحلة البناء والتنمية. وقد ينبهر المرء عند زيارته لأقاليمنا الجنوبية(جهة العيون وجهة الداخلة) للتغيير الجدري التي عرفته هذه المناطق من حيث البنى التحتية والمرافق العمومية والإستثمارات الإقتصادية والصناعية والفلاحية التي شهد بها كل من زار المنطقة من المغاربة والأجانب.
وقد كانت ذكرى المسيرة الخضراء بالنسب لي شخصيا استرجاع الحرية الفعلية وذلك بعد العفو الملكي سنة 2015م على 37 سجينا من المعتقلين في ملف الإرهاب ،بعدما كنت فارا من العدالة لمدة 28 سنة، (أسميها بسنوات التيه) فأصبحت حياتي طبيعية كسائر المواطنين المغاربة،أتنقل بحرية وأمن وأشارك في الحياة اليومية من أجل الإصلاح الإجتماعي والإقتصادي والسياسي.
ورغم أن ملف المعتقلين السلفيين بدأ يلحظ بعض الإنفراج من خلال برنامج ” مصالحة ” لكني أتمنى من كل قلبي أن يتم غلق هذا الملف نهائيا بالإفراج عن كافة المعتقليين في أحداث 16 ماي 2003م بالبيضاء،لاسيما وأن أغلبهم قضى مدة 15 عاما،هذه المدة هي التي يقضيها المحكوم بالمؤبد في الدول
الديموقراطية.
لكن برنامج ” مصالحة ” في جانبه الإجتماعي الإقتصادي لا زالا متعثرا،لكن سنفرد له موضوعا خاصا يهتم بأوضاع السجناء المفرج عنهم وضرورة الإهتمام بهم مصلحة للبلاد والعباد في الحاضر والمستقبل.
كما ألاحظ حدثا هاما ومهما في هذه السنة وهو استرجاع المملكة مكانتها اللائقة بها في منظمة الإتحاد الإفريقي عن جدارة واستحقاق. ولم يكن ليحصل ذلك لولا تغيير استراتيجيتنا في العلاقات الدبلوماسية
الدولية لتحديد العدو والحليف.
وكما هو معروف في العلاقات الدولية ليس هناك عداوة دائمة ولا صداة دائمة،وليس هناك عدو بل هناك منافس. فالمنافس يمكن أن نتفاهم معه على القضايا التي لنا فيها مصلحة مشتركة،وقد ظهر ذلك جليا من خلال الدبلوماسية المغربية مع دول إفريقية كأوغاندا وجنوب إفريقيا ونيجيريا،هاته الدول التي كانت في الأمد القريب تمثل مع الجزائر الحاجز والمانع لمصالحنا عبر القارة الإفريقية والمنتظمات الدولية، يشكلون تهديدا على الأمن القومي لبلدنا، لكن الرؤية الإستراتيجية الجديدة والحنكة والحكمة السياسية للملك محمد السادس جعلتهم يساندون إختياراتنا السياسية ورؤيتنا المستقبلية من خلال الإنفتاح الإقتصادي والتجاري على هذه البلدان.
فالإستراتيجية الجديدة لسياسة بلدنا تسعى إلى أن ندير أمورنا بأنفسنا، وأن نتفاهم مع المنافسين لنا في القضايا التي لنا فيها مصلحة مشتركة،أما القضايا الأخرى فنحن نكافح من أجلها لنكسبها،وبذلك سيصبح لنا منافسون وأعداء كثر، يستدعي ذلك أن نحدد الأعداء ومن الأقوياء فيهم.
فالأعداء المبرزين لعدائهم يجب أن يحسوا ويعرفوا أننا أصبحنا أقوياء حقيقة وواقعا.فنحن لانظهر عداوة لأحد،بل يدنا مبسوطة للتعاون والتفاهم في جو من الإحترام والتقدير.
أما بالنسبة للعدو الداخلي،فحينما تعتبر الدولة المواطن عدوا لها فهذا مأشر على ضعفها وخوفها.فالدولة لاتخاف من إنسان يؤمن بإيديولوجية معينة في إيطار حضاري سلمي،لكنها تحارب الذين يحولون الأديولوجية إلى عنف وإرهاب،لأن هؤلاء بصفة مباشرة أو غير مباشرة هم عملاء للدولة العدوة لبلدنا، يحققون أهدافها ومصالحها. فالمواطن يستحيل أن يكون عدواً للدولة مادامت ملتزمة بأمن وسلامة ورفاه مواطنيها ورعاياها على اختلاف عقائدهم ومبادئهم وجنسياتهم وأعراقهم.
فنتمنى أن تبقى هذه الذكرى استرجاعا للحريات حتى يتمكن الشعب من خلال مواطنيه وممثليه أن يحددوا السياسة والأهداف التي يرجونها لمستقبل أبنائهم ووطنهم،لا كما تريد بعض الجهات أن تفرض عليهم الأمر الواقع. فالأمن الإجتماعي والإستقرار السياسي في هذا البلد الحبيب رهين بهذه التوافقات والتوازنات التي يجب مراعاتها في الداخل أولا ثم في الخارج ثانيا.