بقلم الأستاذ أنس سعدون

تداولت وسائل إعلام وطنية عديدة أنباء عن تأخر عرض مشروع الميزانية الفرعية لوزارة العدل برسم سنة 2019، نتيجة تشبث ممثلي الأمة بضرورة حضور الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى البرلمان لعرض الميزانية المتعلقة بهذا المجلس، عوض عرضها من طرف وزير العدل.

الجدل الذي أثير خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان المنعقد بمجلس النواب عشية يوم الأربعاء 31/10/2018 يمكن تلخيصه في نقطتين أساسيتين:

الأولى تتعلق بالاستقلالية، حيث طالب بعض ممثلي الأمة بضرورة حضور الرئيس المنتدب من منطلق أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية، ولا يعقل من هذا المنطلق لوزير في الحكومة أن يعرض ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

أما النقطة الثانية فتتعلق بممارسة البرلمان لسلطاته في مراقبة الميزانية، والتي تقتضي اخضاع مؤسستي المجلس ورئاسة النيابة العامة للمساءلة طالما أنهما يتوفران على ميزانية مستقلة، فمن حق البرلمان مناقشة أوجه صرفها.

تقديم وزير العدل ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية بين الاستقلالية والتعاون

هل يعد تقديم وزير العدل لميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية أمام البرلمان شكلا من أشكال تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية، أم أنه يعتبر صورة من صور التعاون بين السلطتين يؤطرها الدستور؟

الجواب على هذا السؤال يقتضي الرجوع إلى قرار المجلس الدستوري بمناسبة النظر في دستورية قانون 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية حيث نجده قد تطرق لبيان نطاق وحدود العلاقة التي تربط السلطة القضائية بالسلطة الحكومية المكلفة بالعدل وهي وزارة العدل أساسا، حيث اعتبر أن النظام الدستوري في المغرب لا يقوم فقط على أساس فصل السلط، بل ينبني أيضا على توازن هذه السلط وتعاونها، طبقا لما نص عليه الدستور في الفقرة الثانية من فصله الأول. ومن هذا المنطلق، فإن مبدأ التعاون بين السلط يقتضي، عند الحاجة، إقامة علاقات تنسيق بينها قصد تحقيق غايات مشتركة، من خلال تسهيل كل سلطة لممارسة السلطة الأخرى لوظائفها خدمة للصالح العام. وبالتالي، فان تقديم ميزانية المجلس أو رئاسة النيابة العامة من طرف وزير العدل لا يعتبر مسا بمبدأ استقلال السلطة القضائية وإنما مظهرا من مظاهر التعاون بين السلطتين، يضاف إلى مظاهر أخرى للتعاون وردت في قوانين السلطة القضائية من بينها إمكانية حضور وزير العدل نفسه في اجتماعات المجلس الأعلى للسلطة القضائية لتقديم بيانات ومعلومات تتعلق بالإدارة القضائية أو أي موضوع يتعلق بسير مرفق العدالة وفق شكليات خاصة حددها القانون، والتزام وزارة العدل ووزارة المالية وهما معا يمثلان السلطة التنفيذية باتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنفيذ مقررات المجلس المتعلقة بالوضعيات الإدارية والمالية للقضاة بتعاون مع المصالح المختصة للمجلس (المادة 55 من قانون المجلس).

ومن صور هذا التعاون أيضا نجد أن رئيس الحكومة سبق وأن راسل الرئيس المنتدب طلبا لمقترحات المجلس بشأن برمجة الميزانية المقررة لفترة ثلاث سنوات قادمة مدعومة بأهداف ومؤشرات نجاعة الأداء[1]، مما يؤكد أن ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية توضع بالتشاور بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية. وقد أبقى القانون لهذه الأخيرة صلاحية الإشراف الاداري والمالي على المحاكم، وتحمل أجور القضاة وباقي موظفي القطاع.

ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية ونطاق صلاحيات البرلمان في المراقبة

استندت بعض الآراء المطالبة بضرورة حضور الرئيس المنتدب إلى قبة البرلمان لعرض ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية على حق السلطة التشريعية في ممارسة صلاحياتها في مراقبة الميزانية.

وقبل التطرق إلى هذا الإشكال، لا بد من الإشارة الى أن الجدل المحتدم حاليا لا يتعلق بميزانية السلطة القضائية برمتها، والتي تدخل ضمن ميزانية وزارة العدل. فالدستور لم ينص على ميزانية مستقلة للسلطة القضائية، ويشمل هذا الجزء أجور القضاة وميزانية المحاكم وباقي موظفي وزارة العدل، (وهي تخضع لمناقشة البرلمان باعتبارها جزءا من ميزانية الوزارة المذكورة دون أي إشكال)، وانما تتعلق فقط بميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية وضمنها ميزانية رئاسة النيابة العامة. ويخصص الجزء الغالب من هذه الميزانية للتسيير، وأداء أجرة كراء المقر. وقد أجاب عن هذا الاشكال بدوره القضاء الدستوري عند مناقشته لمدى دستورية المادة 110 من قانون المجلس، حيث يمكن الاستناد إلى نفس المبررات التي اعتمدها القرار المذكور المتعلق بطريقة مراقبة البرلمان لتنفيذ السياسة الجنائية من طرف رئاسة النيابة العامة.

فقد اعتبر القضاء الدستوري أن “إعمال المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يتم، فيما يخص السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بنفس الكيفية وبذات الأدوات التي يتم بها في مجالات أخرى، بالنظر لطبيعة السلطة القضائية واستقلالها وآليات اشتغالها والسبل المقررة لتصحيح أخطاء أعضائها”. ومن ثمة هناك آليات أخرى لتجسيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من بينها أن السلطة القضائية نفسها مراقبة من طرف جهة تعيين الرئيس المنتدب، ورئيس النيابة العامة، ومن طرف باقي الفاعلين بما فيها مكونات المجتمع المدني عن طريق آلية التقارير التي فرض القانون تقديمها بشكل دوري. كما أن عرض وزير العدل لميزانية المجلس والتي تتضمن ميزانية رئاسة النيابة العامة يشكل مظهرا من مظاهر مراقبة البرلمان على طريقة صرف الميزانية، طالما أن هناك آلية تنسيق مشتركة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل والتي نظمها القانون في مادته 54، وتم تفعيلها بعد صدور قرار ينظم آلية ومضمون هذا التنسيق.