كان سقراط يلقب بأب الفلاسفة، ذلك أنه حول التفكير الإنساني من موضوع الطبيعة، والبحث في أصل الكون والمادة التي وجد بها إلى البحث في الإنسان وقد كان دائما يتظاهر بالجهل، فقال في إحدى العبارات المأثورة: كل ما أعرف أنني لا أعرف شيئا، مبرزا بذلك أن ادعاء المعرفة هو عين الجهل ، فكان شعاره اعرف نفسك بنفسك، وأيضا العلم فضيلة و الجهل رذيلة. فالفلسفة لا تتقدم إلا عن طريق تبني منهج الشك والبحث الدائم . فقد اتجه في فلسفته إلى بحث مسائل متعلقة بالأخلاق وعقل الإنسان.
يتخذ البعض من التعلم وسيلة تسهم في تحسين الأوضاع المعيشية والرقي إلى درجة أعلى متجاهلين جوهره ووظيفته. فالإنسان بطبيعته يتأثر بمختلف جوانب الحياة مساهما بتكوين معارفه وتشكيل نوع من الإدراك وفي كثير من الأوقات ما يصطدم بالجهل والعادات و الأفكار غير سوية.
العلم هو أساس التنمية في المجتمع فهو الذي يمنح الإنسان المعارف والقيم التي تساعده على البروز في شتي المجالات ويحقق له التقدم الاجتماعي والاقتصادي ويحرر عقل الإنسان ويمنحه الحرية في التفكير والتصرف ويكسبه القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.
فيما يفقد الجهل الإنسان القدرة على التصرف واتخاذ القرارات بكل حرية و يسبب الإحباط والسلبية كما يؤثر على بناء المجتمع ويعرقل نموه و يؤخر تقدم المجتمعات ويؤثر على استقرارها بحيث يؤدي إلى تفشي ظاهرة العنف في المجتمع.
الجهل أصل كل الشرور كما قال أفلاطون؛ ما يجعلنا نطرح التساؤل عن ما هو مفهوم الجهل؟ وهل هو ممنهج أم تلقائي؟ وأسباب تمظهره في مجتمعاتنا؟ وماهي السبل لتجنبه وتوخي مخاطره؟
يمكن أن يكون الجهل ناتجا عن عدم تعلم القراءة والكتابة وانعدام الرغبة في المعرفة.
كما يمكن أن يكون ناتجا عن انغلاق العقول وتبني أفكار ومعتقدات خاطئة دون تفكير.
وينتج الجهل أيضا عن مخالفة كافة القيم والمعارف والمبادئ العلمية أو الدينية.
لا يعد الجهل فقط انعداما للمعرفة ، بل منتجا يتم تصنيعه وتوزيعه لأهداف معينة، سياسية كانت أو تجارية. أي أن الجهل اليوم أصبح منتجا، تقوم بعض الجهات المتخصصة في صناعته حسب أهداف ومناهج واليات، بجودة عالية وفعالة تهدف إلى تجهيل وتضليل الجمهور والرأي العام، حتى يتغلغل في العقول.
وللجهل علم يسمى علم الجهل وهو ليس وليد اليوم وإنما ينحدر من اللسان الإغريقي، الأكنوتولوجيا، فعلم الجهل، علم يعنى بدراسة الإنتاج الثقافي للجهل و دراسة الممارسات التي تسمح بإنتاجه، وبالتالي علينا أن ندرك أن الجهل ليس مجرد فراغ ، بل له سوسيولوجيا وسياسة و له تاريخ وجغرافيا و جذور. وصناعة الجهل لعبت دورا هاما في نجاح العديد من الصناعات؛ فالجهل قوة لا يمكن الحد منها إلا بتحليل الميكانيزمات والأدوات المعرفية القادرة على بث روح الارتياب في الرأي العام، من خلال استراتيجيات التضليل، والرقابة، والطعن في مصداقية الأمور بواسطة جماعات الضغط و الإعلام المضلل ، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مزيفة الوعي الفردي والجماعي و محولة بعض الحقائق إلى زيف، والزيف إلى حقائق، ومسلطة الأضواء على بعض القضايا المؤثرة على قناعات الجمهور، بحيث تتحول قضية ما إلى قضية أخرى، ويتحول الحق إلى غيره ، و في ظل المشاكل السياسية و الاجتماعية في جميع أنحاء العالم أصبحنا نشاهد إعلاما يظهر بعض الشخصيات منها من يمتهن التحليل ببعض الألفاظ و الكلمات غير المفهومة بالنسبة لأغلبية المتتبعين ليخدع الكثير ممن يعتقدون أن هذا الشخص على درجة عالية من الثقافة لدرجة فوق مستوى ذكاء الأشخاص العاديين لأن هذا التضليل يتم بناؤه على أسس إستراتيجية تستند على ثلاث قنوات، هي بث الخوف لدى الآخرين، إثارة الشكوك، وصناعة الحيرة…
آنذاك يتم صنع أعداء وهميين فيتم حشد الرأي العام، أو ترهيبه ، وأما إثارة الشكوك فهو ثاني أعمدة التجهيل، ويتم توظيفه غالبا في القطاع التجاري والاقتصادي، ولأن كثرة المعلومات المتضاربة تصعب من اتخاذ القرار المناسب، يدخل الفرد في دوامة من الحيرة ، و العبء النفسي والذهني ، فيقبل بما لا ينبغي القبول به، طمعا في النجاة من هذه الدوامة، وهذا تحديدا ما يجعله عاجزا حتى عن اتخاذ قرار يخصه…
في الأوساط الأكاديمية والسياسية يأتي مفهوم إدارة الفهم الذي يعرف بأنه أي نشر لمعلومات أو أي حذف لمعلومات لأجل التأثير على تفكير الجمهور والحصول على نتائج يستفيد منها أصحاب المصالح ولهذا الهدف يتم توزيع الجهل بين أطياف المجتمع حسب آليات ومنهجيات، وهنا انبثقت الحاجة لمجال العلاقات العامة، الذي اعتبره تشومسكي الابن الأصيل للحكومة الأمريكية. فعن طريق لجان العلاقات العامة تم تضليل الرأي العام الأمريكي والزج به في الحرب العالمية الأولى سابقا وغزو العراق لاحقا.
التكرار والتأكيد غير مبرر هما المفتاح السحري لزرع أي فكرة داخل عقل الجمهور المستهدف والرأي العام ، فيتم اختيار فكرة أو شعار بسيط أو لفظ جذاب وبالتكرار تتحول الفكرة أو المنتج إلى جزء من حياة المتلقي وأحد المكونات الأساسية لوعيه، غالباً ما يتم التعرض المباشر للقضايا التي يرغب أصحاب المصالح و المعلنين و السياسيين وصناع الرأي كذلك في تحويرها أو تغييرها، وإنما يعمل على إعادة صياغتها بلغة جديدة تتناسب مع سياساتها وبثها بين الناس الذين يتقبلونها لا شعوريا على المدى الطويل.
ختاما نذكر أن سقراط لاحظ بأن الناس يعيشون مغمورين في ظلمات الجهل بينما يتوهمون أنهم يعرفون كل شيء فلا يترددون في الإفتاء في أي شأن ويصدرون الأحكام على أي أمر، وبالتالي يعملون على تعميم الجهالة.

الحفيرة يوسف.
طالب باحث في ماستر التواصل السياسي