على ما يبدو أن الصراع الأزلى بين النيابة العامة وبين وزارة الداخلية لن ينتهى، فبعد حادث ساقلتة الشهير ونشوب أزمة قضائية شرطية بسبب محاصرة مقر مدير النيابة من قبل عدد من ضباط الشرطة، نشبت الخلاف مجددا بين ضباط شرطة أحد كمائن الغربية، بعد قيامهم بتفتيش مدير نيابة بطنطا، وطلبهم منه إظهار هويته الشخصية، وبعد رفضه تطورت الأحداث وحرّر مدير النيابة محضرا بالشرطة تسبّب فى حبس ضابطين، وهو ما أدى إلى اشتعال الأحداث وحتى الآن لم تنتهِ تلك الأزمة.

الصراع بين النيابة العامة وضباط الشرطة قديم، وبدأ فى سبتمبر عام 2010 عندما اعتدى أحد ضابط أمن الدولة بمدينة رشيد بمحافظة البحيرة على ثلاثة من وكلاء النيابة برشيد، وذلك أثناء قيامهم بالتحقق من بلاغ لاحتجاز أمن الدولة 9 أفراد دون وجه حق، وقام الضابط بالاشتباك مع وكلاء النيابة الثلاثة، وأصدر أوامره للعساكر بالقسم بإبعاد وكلاء النيابة عن القسم بعد أن قام بسبهم بألفاظ نابية، واشتبك بالأيدى مع أحدهم، وانتهت تلك الواقعة باعتذار من حبيب العادلى، وزير الداخلية فى ذلك الوقت، بعن تلك الحادث للقضاة.

أما الواقعة الثانية، فكانت فى 24 أكتوبر الماضى عندما قام عدد من ضباط وأفراد الشرطة بساقلتة بمحافظة سوهاج بحصار مقر أعضاء النيابة العامة والاعتداء لفظا على أعضاء النيابة وحجزهم، وبدأت الواقعة فى الحادى والعشرين من أكتوبر الماضى، عقب قيام وكلاء النيابة العامة بمركز ساقلتة، برفع مذكرة رسمية إلى المحامى العام لنيابات جنوب سوهاج، ضد ضباط وأفراد مركز شرطة ساقلتة، تتهمهم باقتحام محكمة ساقلتة، والصعود إلى الطابق الثانى بالنيابة، بحوزتهم أسلحتهم الميرى، واحتجاز وكلاء النيابة داخل مكاتبهم، والتطاول عليهم بالألفاظ النابية، لاعتراضهم على قرار النيابة العامة باستدعاء مأمور المركز، لسؤاله فى عدم تنفيذ قرارات النيابة العامة فى عدد من القضايا، وخاصة الحوادث.

وكلاء النيابة أكدوا فى مذكرتهم أن ضباط وأفراد الشرطة حضروا إلى المحكمة، على رأسهم نائب المأمور، مستقلّين 4 سيارات ميكروباص، وسيارة شرطة “بوكس”، وصعدوا للطابق المخصص للنيابة العامة، وتطاولوا على أعضاء النيابة العامة الموجودين بالسّب والشتم والألفاظ النابية، وبحوزتهم أسلحتهم الميرى، وقاموا باحتجازهم داخل المكاتب، وبرفقتهم العاملين المدنيين، ومنعوا المحامين من ممارسة أعمالهم، الأمر الذى أدى إلى تعطيل مصالح المواطنين، معللين أسباب حدوث هذا الأمر، إلى صدور قرار من النيابة باستدعاء مأمور مركز شرطة ساقلتة لسؤاله وفتح التحقيق فى تقصير مركز شرطة ساقلتة فى تنفيذ قرار النيابة العامة، بشأن التقارير الطبية والاستعلام عن المصابين، ولوح عدد من أعضاء النيابة العامة بتعليق العمل بنيابات جنوب سوهاج، لحين الانتهاء من التحقيق، واتخاذ قرار من قبل المحامى العام فى هذا الشأن، لحفظ كرامة وكلاء النيابة، على حد وصفهم.

وفى اليوم الثالث، أمر النائب العام بحبس نائب مأمور مركز شرطة ساقلتة، وضابط شرطة برتبة نقيب، و3 أمناء من قوة المركز، لمدة 15 يوما على ذمة التحقيقات، ووجهت النيابة لهم تهم التجمهر وتعطيل سير العمل وإشهار السلاح والسب والقذف فى حادث اقتحام المحكمة، وهو ما ترتب عليه دخول ضباط وأمناء مركز شرطة ساقلتة فى إضراب عن العمل.

وانتهت الأزمة بالصلح بين الطرفين بعد تدخل وزارة الداخلية والنائب العام، وتقدم الوزارة بالاعتذار لأعضاء النيابة العامة عما بدر من الضباط والأفراد، بعد أن تبادل الطرفان البلاغات والاتهامات، إلا أن الأزمة بين الشرطة والنيابة العامة تجددت منذ أيام، حيث تكرر سيناريو حادث ساقلتة، وتصاعدت أزمة جديدة بين الطرفين، وذلك بين ضباط شرطة أحد كمائن الغربية، بعد قيامهم بتفتيش مدير نيابة بطنطا وطلبهم منه إظهار هويته الشخصية، وبعد رفضه قام الضباط بحجزه، فيما حرر مدير النيابة محضرا بالشرطة ضد ضابطين اتهمها فيه بالاعتداء عليه ومخالفة القانون، وأمرت النيابة العامة بحبس الضابطين 4 أيام على ذمة التحقيقات، وهو ما تسبب فى اشتعال غضب ضباط وأفراد الشرطة بالغربية، والذين نظموا بعض الاحتجاجات، وهددوا بسحب أفراد الحراسة والتأمين بالمحاكم، وبعدها قررت النيابة إخلاء سبيل الضابطين بضمان الوظيفة ومحل الإقامة.

وفى ضوء الأزمة، أكد ضباط الشرطة أن سبب الخلاف هو أنه حال قيام مدير النيابة باستقلال إحدى السيارات الأجرة ومروره بأحد الأكمنة الموجودة بشارع البحر الرئيسى بطنطا اشتبه 3 ضباط من المتواجدين بذات الكمين فى هوية قائد السيارة الأجرة، مما دفعهم إلى تفتيش السيارة، وتبين من تحريات الأجهزة الأمنية أن قائد السيارة مطلوب ضبطه وإحضاره فى قضية سرقة سيارة وتنفيذ حكم 6 أشهر، واعترض مدير النيابة على ما فعله الضابط حيال قائد السيارة، مما أسفر عن نشوب مشادة كلامية وتراشق بالألفاظ بين الجانبين، مما دفع أحد الضباط إلى الاستعلام عن هوية “مدير النيابة”، فرفض الإفصاح عن هويته الشخصية، وتعنت فى الصدام مع الضباط متهما إياهم بالتعدى عليه بالضرب وإهانته، وتقدم مدير النيابة بمحضر رسمى يتهم فيه الضباط الثلاثة بالتعدى عليه بالضرب المبرح والألفاظ النابية، ومحاولة ضبطه وإحضاره بتهمة مقاومة السلطات.

وتصاعدت وتيرة الأزمة بين أعضاء النيابة العامة بطنطا والقيادات الأمنية بمديرية أمن الغربية، بعدما صدر قرار من المستشار علاء السعدنى، رئيس نيابة أول طنطا، صباح الجمعة الماضية، بحبس النقيب محمد مصطفى حماد والملازم أول مهاب السايس، 4 أيام على ذمة التحقيقات وإخلاء سبيل الرائد مصطفى بسيونى، الضابط الثالث، بتهمة الاعتداء على هيثم مجدى غانم، مساعد نيابة بمركز قويسنا، مما دفع ضباط وأفراد الشرطة إلى الإعلان عن إخلاء حراسات مجمعات المحاكم.

وتصاعدت حدة الأزمة المشتعلة بين الطرفين وسط حالة غضب شديدة بين أعضاء النيابة العامة الذين طالبوا نادى قضاة مصر بعقد جمعية عمومية طارئة، وسط تعنت ضابطى الشرطة ورفضهم تقديم اعتذار لمدير النيابة، وتدخل اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية، والقيادات الأمنية بالغربية لاحتواء الموقف باتصالات مع النائب العام والمستشار أحمد الزند، رئيس نادى القضاة ووزير العدل، وتقدم وزير الداخلية باعتذار رسمى عما بدر من الضابطين حيال مدير النيابة.

وقال وزير الداخلية فى نص الاعتذار الذى قدمه للنائب العام: “إنه فى إطار تقدير وزارة الداخلية للنيابة العامة تؤكد الوزارة على أنها تكن وافر الاحترام والتقدير لجميع أعضاء النيابة العامة، وتعتذر عن التجاوزات التى حدثت بمديرية أمن الغربية ضد أحد أعضاء النيابة يوم الخميس 28 نوفمبر 2013، وفى هذا الإطار تؤكد الوزارة على اتخاذها كل الإجراءات التأديبية ضد الضابطين مهاب السايس ومحمد مصطفى حماد، وسوف يتوجه وفد برئاسة مساعد أول وزير الداخلية بصحبة الضابطين للاعتذار رسميا فى التحقيقات عن تلك الأحداث المؤسفة وهذا اعتذار من الوزارة بذلك”.

فيما عقد مجلس إدارة نادى قضاة مصر، برئاسة المستشار أحمد الزند، اجتماعا مع مجلس إدارة نادى قضاة طنطا، برئاسة المستشار حسن الغزيرى، وبحضور عدد من رؤساء أندية القضاة بالأقاليم، وبعض القضاة وأعضاء النيابة للتشاور حول أزمة مساعد النيابة الذى اعتدى عليه ضباط الشرطة فى طنطا.

وأكد المستشار سامح السروجى، عضو مجلس إدارة نادى القضاة لـ”اليوم السابع”، أن الاجتماع انتهى إلى تشكيل لجنة مشتركة بين نادى قضاة مصر ونادى قضاة طنطا لمتابعة الأزمة، وتكليف أحد المحامين بالقيام باتخاذ إجراءات الإدعاء المدنى عن الزميل مساعد النيابة العامة الذى اعتدى عليه ضباط الشرطة.

وقال المستشار حسن العزيرى، رئيس نادى قضاة طنطا، إن اجتماع مجلس إدارة النادى مع نادى قضاة مصر، برئاسة المستشار أحمد الزند، والذى عقد مساء أمس الأحد، واستمر حتى الساعات الأولى من صباح اليوم، ناقش أزمة أعضاء نيابة طنطا مع ضباط الشرطة، بسبب الاعتداء على مساعد نيابة من قبل ضابطين.

وأضاف “الغزيرى” أن الاجتماع توصل إلى متابعة نادى قضاة مصر و”قضاة طنطا” للأزمة، وما ستسفر عنه التحقيقات، مع سرعة التصرف واتخاذ الإجراءات اللازمة فى الواقعة، مؤكدا أنه فى حال تأخيرها سيتم عقد جمعية عمومية طارئة بنادى القضاة لبحث سبل مواجهة الموقف، وذلك فى حال عدم إعلان اعتذار وزارة الداخلية الذى قدم للنائب العام لما بدر من الضابطين من اعتداء على مساعد النيابة للرأى العام.

وأشار رئيس “قضاة طنطا” إلى أنهم طالبوا نادى قضاة مصر بإعلان اعتذار وزارة الداخلية فى وسائل الإعلام للرأى العام، وأن النادى وعد بذلك، موضحا أن المشاركين فى الاجتماع فوضوا المستشار أحمد الزند لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وأنه حضر الاجتماع رئيس وأعضاء مجلس إدارة نادى القضاة بطنطا ورئيس وأعضاء نادى المحلة وبعض أعضاء مجلس إدارة نادى قضاة المنوفية تضامنا مع مساعد النيابة، كما حضر اثنان من شهود الواقعة من أعضاء النيابة العامة.

من جانبه، أكد المستشار أحمد غازى، عضو مجلس إدارة نادى قضاة طنطا، أن أندية القضاة على مستوى الجمهورية عقدت اجتماعا مساء أمس بنادى القضاة بالقاهرة برئاسة المستشار أحمد الزند، لبحث أزمة اعتداء الضابطين بطنطا على مساعد نيابة، حيث أكدوا أن قرار النائب العام بشأن إخلاء سبيل الضابطين لا تعليق عليه، وأنهم فى انتظار إحالة القضية لمحكمة الجنايات خلال الأيام المقبلة.

متابعة كتب إبراهيم قاسم ومحمود حسين وأمنية الموجى والغربية: عادل ضرة