أثير أخيرا نقاش حول الطبيعة الدستورية لمؤسسة رئاسة النيابة العامة إثر توصل مجلس النواب بتقرير رئيس النيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، وهو التقرير الذي تنص عليه المادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وأظن أنه من أجل تسهيل مأمورية فهم الإشكال الذي طرح يجب التذكير بمسلمتين مركزيتين، هما بمثابة مفتاح لمقاربة الجواب أو إبداء الرأي حول الإشكال المذكور، هما:

المسلمة الأولى: القضاء سلطة قررها أفراد الأمة عن طريق الاستفتاء على دستور 2011، في الفصل 107 منه.

المسلمة الثانية: اعتبار رئيس النيابة العامة سلطة قررها نواب الأمة في البرلمان عن طريق التصويت على القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في المادة منه 66.

وبالفعل فإنه بالرجوع إلى القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في فصله 66 نجده ينص في الفقرة الأخيرة منه على ما يلي:

“علاوة على ذلك، وتطبيقا للفصل 116 من الدستور، يراعي المجلس بالنسبة لقضاة النيابة العامة تقارير التقييم المقدمة من قبل الوكيل العام لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة”.

ويتبين من تلك المادة أن نواب الأمة هم الذين عينوا من هي “السلطة” المنصوص عليها في الفصل 116 من الدستور، التي تتبع لها النيابة العامة، وحددوها بكونها هي “الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة”.

لهذا فإنه يصعب اليوم أن يثار أي نقاش حول اعتبار رئيس النيابة العامة كـ”سلطة” في علاقته مع النيابة العامة، قضاة وتدبيرا، من قبل نواب الأمة أنفسهم.

لهذا فمسؤولية التأسيس الدستوري لسلطة القضاء المستقلة تتوزع بين أفراد الأمة بمناسبة تصويتهم على الدستور في ما يخص السلطة القضائية، وبين نواب الأمة بمناسبة تصويتهم على القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، في ما يخص سلطة رئيس النيابة العامة.

ومن المفيد التذكير بأن مهندس القواعد الدستورية ومشرع دستور 2011 وضع تراتبية هندسية أساسها على “الازدواجية” أو “التقابلية” في ممارسة المسؤوليات الدستورية، وذلك حرصا منه على إعمال مبدأ (توازن السلط) المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور.

وهذه الهندسة تتجلى بكل وضوح في ما يلي:

إن السلطة التنفيذية موزعة بين المجلس الوزاري والمجلس الحكومي.

والسلطة التشريعية موزعة بين: مجلس النواب ومجلس المستشارين.

والسلطة القضائية موزعة بين:

المجلس الأعلى للسلطة القضائية كمؤسسة والرئيس المنتدب لها كمؤسسة من جهة، ورئيس النيابة العامة من جهة أخرى.

وباستحضار هذه الصورة للهيكلة الدستورية يمكن مقاربة الإشكال، أقصد المساهمة في النقاش المثار حوله.

أولا: رئاسة النيابة العامة سلطة نص عليها الدستور

حمل دستور 2011 تحولا نوعيا في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، عندما نص لأول مرة على أن القضاء هو سلطة كباقي السلط من جهة، وأنه سلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية والتشريعية من جهة أخرى. كما خصها بهيكلة ميز فيها بين مؤسستين بحس الاختصاص الموكول لكل منهما.

فالمجلس الأعلى للسلطة القضائية له ثلاثة اختصاصات: الأول هو تدبير الوضعية المهنية للقضاة منذ تعيينهم إلى نهاية خدماتهم (المواد من 65 إلى 102 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية)، والثاني هو حماية استقلال القاضي (المواد من 103 إلى 107 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية)، والثالث هو وضع تقارير وإصدار توصيات حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، وتلقي تقارير من جهات مختلفة في نفس الموضوع (المواد من 108 إلى 113(.

كما أعطي للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حق تمثيل المجلس أمام القضاء وباقي السلطات والإدارات العمومية وأمام الغير (المادة 5 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية(.

وأما رئاسة النيابة العامة فهي سلطة دستورية مسؤولة عن تسيير جهاز النيابة العامة ورئاسة أعضائها في مهامهم؛ فالقانون التنظيمي أنشأ سلطة رئيس النيابة العامة إلى جانب سلطة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ولكنه ميزها عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

ويتضح ذلك من الفصل 110 من الدستور، الذي جاء في فقرته الأخيرة:

“يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها”؛ ما يستفاد منه وجود سلطة دستورية ترأس النيابة العامة.

ومما يدعم هذا الفهم ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 116 من الدستور التي ورد فيها ما يلي:

“يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة، تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون لها”.

ويتجلى من هذه الفقرة أن السلطة التي ترأس النيابة العامة ليست هي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لأن المجلس ألزمه الدستور بأن يراعي تقارير التقييم التي يقدمها رئس النيابة العامة عندما يكون يبت في قضية أي قاض من قضاة النيابة العامة، وذلك تطبيقا للفقرة 116 من الدستور المشار إليها أعلاه.

والملاحظ أن القانون التنظيمي في فصله 66، وإن نقل حرفيا مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 116 من الدستور، إلا أنه عين بكل وضوح “السلطة التي يتبع لها قضاة النيابة العامة” بكونها هي “الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة”، ما يعتبر تحديدا للمقتضى الدستوري المتعلق بالسلطة الرئاسية للنيابة العامة.

ومعلوم أن القوانين التنظيمية تعتبر مكملة للدستور وجزءا منه، ولذلك نص الدستور على وجوب مراقبة مطابقتها للدستور من طرف المحكمة الدستورية.

وفي هذا الصدد أكد قرار المجلس الدستوري هذا المنحى بمقتضى قراره عدد 992-16 الذي جاء فيه ما يلي:

“حيث إن الدستور نص في الفقرة الثانية من فصله 110 على أن قضاة النيابة العامة يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن “السلطة التي يتبعون لها”، دون تحديد لهذه السلطة؛ وحيث إن السلطة التي يعود إليها ترؤس النيابة العامة لا يمكن تحديدها إلا “في نطاق أحكام الدستور لهذه السلطة”؛ وحيث إن مبدأ تبعية قضاة النيابة العامة الوارد في الفقرة الثانية من الفصل 110 من الدستور، الذي يفرض عليهم “الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها”، يعد تبعية داخلية تتم وفق تراتبية “قضاة النيابة العامة ومستويات مسؤولياتهم، ولا يمكن أن تكون – دون الإخلال بمبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية – تَبَعِيةً لجهة خارجة عن السلطة القضائية”.

كما أضاف: “وحيث إن تأسيسها على ما سبق بيانه، واعتبارا لكون عمل النيابة العامة يعد دستوريا عملا قضائيا، ومع مراعاة الصلاحية المخولة للسلطات الدستورية المختصة في وضع ومراجعة السياسة الجنائية، فإن رئاسة النيابة العامة – التي يعد قضاتها جزءا من السلطة القضائية- لا يمكن إسنادها إلا لجهة تنتمي إلى هذه السلطة، ما يكون معه ما تضمنته المادة 25 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، من وضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة ومراقبة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، مطابقا للدستور”.

ثانيا: التقارير الدورية لرئيس النيابة العامة

من جهة أخرى فإن الدستور والقانون لا ينصان على تدخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية في مهام تسيير النيابة العامة، لكنهما يعطيانه الحق في تلقي تقارير رئيسها حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة وفقا للمادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. وبذلك يعتبر رئيس النيابة العامة مسؤولاً عن تنفيذ السياسة الجنائية وعن سير النيابة العامة أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية وأمام رئيسه الدستوري، كما أكد ذلك قرار المجلس الدستوري عدد 991-16 بالقول إن رئيس النيابة العامة “يظل مسؤولا عن كيفية تنفيذه للسياسة الجنائية، وذلك أساسا أمام السلطة التي عينته المتمثلة في رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذا أمام هذا المجلس الذي يتعين عليه أن يقدم له تقارير دورية بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة…”.

ويتبين من قرار المجلس الدستوري أنه حدد الجهتين اللتين يكون رئيس النيابة العامة مسؤولا أمامها، وهما: رئيس المجلس الأعلى للمجلس للسلطة القضائية، من جهة، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية نفسه من جهة أخرى.

وبذلك يتضح أن المساءلة الدستورية لرئيس النيابة العامة تتم أساساً أمام رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما تتم كذلك أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية نفسه، الذي يقدم إليه رئيس النيابة العامة تقارير دورية.

كما أن قرارات النيابة العامة تخضع للمراقبة القضائية المباشرة المتمثلة في طرق الطعن والتقاضي على درجات، وهو ما أكده عليه قرار المجلس الدستوري الذي رأى أن إعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة “لا يمكن أن يتم في ما يخص السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بنفس الكيفية وبذات الأدوات التي يتم بها في مجالات أخرى، بالنظر إلى طبيعة السلطة القضائية واستقلالها وآليات اشتغالها والسبل المقررة لتصحيح أخطاء أعضائها”.

ويعتبر الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، مسؤولا عن تنفيذ السياسة الجنائية التي تضعها السلطة التشريعية وفقا لما ذهب إليه قرار المجلس الدستوري رقم 991-16 الصادر بتاريخ 15 مارس 2016، الذي قضى بما يلي:

“لئن كان الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، المعهود إليه برئاسة النيابة العامة، يظل مسؤولا عن كيفية تنفيذه للسياسة الجنائية، وذلك أساسا أمام “السلطة التي عينته المتمثلة في رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذا أمام هذا المجلس…”.

ثالثا: المناقشة البرلمانية لتقرير رئيس النيابة العامة

إذا كان القانون التنظيمي نص على تقديم رئيس النيابة العامة تقارير إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإن المجلس الدستوري اعتبر أن “تقارير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة تعد تقارير تهم الشأن العام القضائي التي يجوز للجميع، لاسيما البرلمان، تدارسها…”. وأقر بذلك دستورية المقتضى الوارد في المادة 110 من القانون التنظيمي سالف الذكر، التي تسمح للجنتي العدل والتشريع بالبرلمان بدراسة تقارير رئيس النيابة العامة، رغم استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية.

غير أن المجلس الدستوري حدَّد الأهداف من المناقشة البرلمانية وشروطها، بهدف تعديل أو تطوير السياسة الجنائية. كما حرص المجلس الدستور على التأكيد أن ذلك يجب أن يتم باحترام للسلطة القضائية المستقلة، كما سيأتي بيانه لاحقا.

وإذا كان المجلس الدستوري حسم في الجهة التي تضع السياسة الجنائية، وهي البرلمان، وأكد هذه القاعدة بمقتضى قراره سالف الذكر، الذي ورد فيه: “إن المشرع، باعتباره المختص بوضع السياسة الجنائية، يحق له تتبع كيفيات تنفيذ هذه السياسة قصد…”؛ وكذلك بمقتضى قرار آخر له يحمل رقم 16-992، صدر بنفس التاريخ جاء فيه: “حيث إن صلاحية وضع السياسة الجنائية، التي تعد جزءا من السياسات العمومية… تظل من الصلاحيات المخولة إلى السلطة التشريعية…”، فإن هذا المقتضى هو مجرد تأكيد للاختصاصات التشريعية التي خولها الفصل 71 من الدستور للبرلمان في ما يتعلق باستئثاره دون غيره من السلطات بالتشريع في مجال التجريم والعقاب (القانون الجنائي) والمسطرة الجنائية؛ وذلك باعتماده على تعريف للسياسة الجنائية من قبل “ليدويغ فيورباخ”، الذي اعتبر أن “السياسة الجنائية هي التدابير الزجرية التي تتخذها الدولة لمحاربة الجريمة”. وهو ما أكده قرار المجلس الدستوري 991-16 سالف الذكر بالقول: “حيث إن صلاحية وضع السياسة الجنائية، التي تعد جزءاً من السياسات العمومية، من خلال سن قواعد وقائية وزجرية لمكافحة الجريمة، حماية للنظام العمومي وصيانة لسلامة الأشخاص وممتلكاتهم وحرياتهم، وكذا تحديد الكيفيات والشروط القانونية لممارسة قضاة النيابة العامة لمهامهم، تظل من الصلاحيات المخولة إلى السلطة التشريعية”.

وإذا كانت المادة 110 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية تنص على عرض التقرير الذي يقدمه رئيس النيابة العامة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، على أنظار لجنتي العدل والتشريع بغرفتي البرلمان ومناقشته من طرفهما، فإن المجلس الدستوري حدد الأهداف من هذه المناقشة وشروط إجرائها؛ ففي ما يتعلق بالأهداف فقد نص عليها قرار المجلس رقم 991-16، وأكد أن تقارير رئيس النيابة العامة “تعتبر من التقارير التي تهم الشأن العام القضائي، يجوز للجميع الاطلاع عليها ومناقشتها، ولاسيما البرلمان المختص بوضع السياسة الجنائية…. يحق له تتبع كيفيات تنفيذ هذه السياسة قصد تعديل المقتضيات المتعلقة بها وتطويرها إذا اقتضى الأمر ذلك”.

لذلك فإن المجلس الدستوري حدد الغاية من مناقشة البرلمان لتقرير رئاسة النيابة العامة، ولم يذكر من بينها مساءلتها، علما أن المساءلة الدستورية كمهمة رقابية يقوم بها البرلمانيون محصورة في عمل السلطة التنفيذية أي الحكومة.

وبما أن مهام وأدوار النيابة العامة هي من مهام وأدوار السلطة القضائية التي نص الدستور على كونها مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، وهو الاستقلال الذي أكد عليه المجلس الدستوري بمقتضى قراره عدد 991-16 بالقول:

“لئن كانت الجهة القضائية التي تتولى رئاسة النيابة العامة، تظل – وفقاً للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة – مسؤولة عن كيفية تنفيذها للسياسة الجنائية الموضوعة من قبل السلطة الدستورية المختصة، فإن إعمال هذا المبدأ لا يمكن أن يتم، في ما يخص السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بنفس الكيفيات وبذات الأدوات التي يتم بها في مجالات أخرى، بالنظر لطبيعة السلطة القضائية واستقلالها وآليات اشتغالها، والسبل المقررة لتصحيح أخطاء أعضائها…”.

لهذا فتقرير رئاسة النيابة العامة المعروض على لجنتي العدل والتشريع بالبرلمان تتم مناقشة من أجل أن يتمكن البرلمان من الإلمام بالنتائج تنفيذ السياسة الجنائية التي وضعها، حتى يتمكن عند الاقتضاء من تعديل النصوص القانونية أو تحسينها وتطويرها على ضوء ذلك، وبناء على التوصيات التي قد يتضمنها التقرير.

وهو ما يؤسس لعلاقات التوازن بين سلطات الدولة دون المساس بصلاحيات البرلمان في الاختيارات التشريعية التي يراها مناسبة.

وأما كيفية مناقشة اللجنتين البرلمانيتين للتقرير، فقد ذهب قرار المجلس الدستوري إلى أنها يجب أن تتم “مع مراعاة مبدأ فصل السلط والاحترام الواجب للسلطة القضائية المستقلة”، وهو ما يستفاد منه كذلك أن المناقشة لا تتم لغاية تقييم أداء النيابة العامة، مع كل ما يستتبع ذلك، وإنما تلك المناقشة يجب أن تستحضر مبدأ استقلال السلطة القضائية والالتزام بالاحترام الذي يقرره القانون لهذه السلطة، بالنظر إلى الهدف من المناقشة التي لا تتم لغاية المساءلة، وإنّما لتعديل أو لتطوير السياسة الجنائية.

رابعاً: تقديم تقرير رئيس النيابة العامة

لم يحدد القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية كيفية إحالة تقرير رئيس النيابة العامة على لجنتي البرلمان، بل إنه لم يتحدث عن أي إحالة، واستعمل عبارة “يتلقى المجلس الأعلى للسلطة القضائية التقرير قبل عرضه ومناقشته من قبل لجنتي البرلمان”.

وإذا كان المجلس الدستوري حسم في عدم قيام رئيس النيابة العامة بمهمة العرض والتقديم، فإنه لم يتناول تحديد كيفية توصل البرلمان بالتقرير، ولا تعيين الجهة المخول لها توجيه التقرير إلى البرلمان.

وبالنظر إلى أن تقرير رئيس النيابة العامة يعتبر تقريرا يهم الشأن العام القضائي يحق للجميع دراسته، فإن تعميمه يعتبر ضروريا لتحقيق هذه الغاية الدستورية.

والبرلمان عندما صادق على لمادة 110 من القانون التنظيمي:

-هو من نص على أن التقرير يجب أن يعرض عليه باعتباره أول الجهات المعنية بدراسة تقرير النيابة العامة لارتباطه باختصاصاته في وضع السياسة الجنائية.

-هو نص على أن يتم عرض ذلك التقرير بعدما يتم عرضه على المجلس الأعلى للسلطة القضائية، معطيا للأسبقية لهذا الأخير في الاطلاع عليه.

-هو من لم ينص على ضرورة وإلزامية أن تتم عملية العرض من طرف رئيس النيابة العامة، كما هو الحال بخصوص رئيس المجلس الأعلى للحسابات الذي يلزمه الدستور بأن يقدم، هو كرئيس للمجلس المذكور، تقريرا أمام البرلمان وفقا للفقرة الأخيرة من الفصل 148 من الدستور.

ومن جهة أخرى، فرغم أن القانون التنظيمي الذي أعطى للبرلمان صلاحية مناقشة تقرير رئيس النيابة العامة، لم يلزم هذا الأخير بتوجيه التقرير إلى البرلمان، فإن المبدأ الدستوري لتعاون السلطات يقتضي منه أن يتخذ المبادرة لوضع التقرير رهن إشارة البرلمان لتمكين لجنتي العدل والتشريع من القيام بمهمتهما المتعلقة بدراسة التقرير.

وبطبيعة الحال فإن وضع التقرير رهن إشارة البرلمان ليس إحالة دستورية مثل الإحالات المنصوص عليها في بعض فصول الدستور، كالفصول 78 و132 و148، أو الإحالات المنصوص عليها في بعض القوانين التنظيمية كالمادتين 61 و109 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمادة 21 و22 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.

ومن جهة أخرى فإن المبادرات بتَعميم التقرير أو إحالته على أي جهة أخرى ترجع لرئيس النيابة العامة بوصفه السلطة الدستورية الملزمة بوضع التقرير، والمسؤول عن تنفيذ السياسة الجنائية. فهو الذي يقدم التقرير للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، علماً أن هذا المجلس يتلقى تقارير من جهات أخرى لا تنتمي للسلطة القضائية حددتها المادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى لتلك السلطة، كالوزير المكلف بالعدل ومؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة الدستورية، وجمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية؛ وبالتالي فإن هذه التقارير تظل تقارير خاصة بالسلطات والجهات التي وضعتها أو أصدرتها ولا تعتبر تقارير للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.. هذا الأخير حددت المواد 61 و108 و109 التقارير التي يصدرها هو كمجلس، والتي يرجع إلى رئيسه حق إحالتها إلى الجهات الواجب إحالتها عليها، وحق تعميمها على باقي الجهات وعلى العموم حين يقتضي الأمر ذلك.