صوت العدالة – اسريفي عبد السلام

 

يعتبر المؤرخون أن كرة القدم استطاعت أن تغير كل الشعوب،بفضلها برزت دول لم تكن موجودة أصلا، كما حولت السياسة الى لعبة تلعب خارج المكاتب.

وتمثل الرياضة الأكثر شعبية في العالم، بل تحولت عبر الزمن الى مورد رزق للكثير من اللاعبين، الذين تحولوا بفضلها الى رجال أعمال دخلو السوق العالمية من بابه الواسع. والأمثلة كثيرة في  هذا الباب، يكفي أن نذكر منها اللاعب اليبيري جورج ويا الذي انتخب أخيرا رئيسا للبلاد ورولاندو ومارادونا وبلاتيني والقائمة طويلة.

لكن الخطير في الأمر، أن اللعبة تحولت اللعبة الى مخدر خطير، تم استعماله لإسكات الشعوب وامتصاص الغضب وجبر الضرر، فالكثير من الأنظمة السياسية بالعالم تضخ أموالا ضخمة في أندية كرة القدم لتنشيط البطولات الكروية، والهدف طبعا هو ايجاد ملاذ وحيد للمواطن الغاضب من السياسات العمومية، فيكفي أن نتابع بعض البطولات العالمية التي استطاعت جلب الملايين من المتتبعين يوميا، وهذا بالطبع يوفر مناخ مناسب لاشتغال الساسة ورجال الاقتصاد. فكم من قرار سياسي مرر خلال دورات كروية معينة، وكم من مشاريع وصفقات فوتت خلال دوريات أو بطولات عالمية ّأو محلية.

باختصار، كرة القدم تحولت الى آلة لتوجيه المواطن/المتتبع،وتعبئته بالشكل المطلوب،وهذا أمر خطير للغاية، حيث التركيز على خلق هذا المنفذ يعتبر في حد ذاته خرق لحقوق الغير،فالمتتبع الرياضي ينسى كل شيء وهو يفكر في الدوري أو البطولة أو حتى المقابلة، فلا شيء يهمه من غير النتائج ومتابعة صفقات اللاعبين والانتدابات والخطط والمقابلات والمبالغ المالية التي تسلم لبيع اللاعبين للعب في إحدى الدوريات المشهورة عالميا.

لذلك، ليس غريبا أن تجد بعض رؤساء الدول يحضرون المقابلات أو ينتدبون من يحضر عنهم،لأن الأمر يتعلق بسياسة معينة تمارس بشكل ذكي، وهذا يظهر بشكل خطير في دول العالم الثالث، حيث يتم استثمار أموال باهضة لانجاح البطولات أو الدوريات، بل والأكثر من هذا يتم الترويج لها لضمان حضور أكبر عدد ممكن من المتتبعين.

فالبطولة الاسبانية مثلا تلعب وفق معادلة خاصة جدا، حيث يتم احتساب المقابلات والنقط وبالتالي ترتيب الفرق وإعطاء الأولوية لفرق المحور التي تضمن حضور جماهيري مهم، فلا يمكن أن ننتظر يوما سقوط فرق من حجم ديبورتيفو أو اتليتيكو مدريد للقسم الموالي، لأن حينها البطولة ستفتقد للحيوية والروح، وبالتالي سيتم تسجيل تراجع في عدد المتتبعين. فالدولة تتابع بكل اهتمام البطولة، وقد تضطر لضخ أموال كثيرة في صناديق بعض الفرق لضمان بقائها في قسم الصفوة كما فعلت ايطاليا مع روما وفرنسا مع ليون واسبانيا مع فلانسيا.

فالكرة إذن لم تبقى مجرد لعبة يعشقها الجمهور العالمي، ولم تعد مجرد هواية تمارس في أوقات الفراغ، بل هي بالاضافة كونها لعبة هي سياسة تمارس في ظل نظام سياسي معين، وبالتالي لها رجالاتها يتابعونها بكل اهتمام ويسطرون لها كل البرامج ويوفرون لها كل الدعم .فبقاء بعض الأنظمة كان رهين ببقاء بعض الفرق الكروية خاصة بالبرازيل والأرجنتين والمكسيك، حيث يعتبر الشعب في هذه الدول تخصيص ميزانية الأندلية الكروية من واجب رئيس الدولة الذي عليه الحفاظ على شعبية اللعبة كما حفظها الذي من قبله.

ويكفي أن نتابع عن بعد بعض البطولات القارية أو العالمية، لندرك الى أي حد تحولت كرة القدم الى مخدر خطير تجاوزت آثاره آثار باقي المخدرات الأخرى، فالذين يتابعون في البيوت يتجاوز بالملايين الذين يتابعون بالملاعب، والسبب دائما هو الهوية والانتماء والغيرة على القميص الوطني.

لكن، هل تعتبر الأنظمة السياسية هذا البعد كافي لترفع يدها عن المتتبع وتتركه يحب اللعب كيف يشاء؟ بالطبع لا، فالأنظمة رغم أنها تدرك جيدا أن جمهور كرة القدم لا يهتم بالسياسة وبالمشاكل الأخرى، فهي تضاعف مجهوداتها لتكرس هذا الإحساس وتجعل بالتالي المتتبع عبدا لهذه اللعبة ولصيقا بالمباريات وبعيدا عن السياسة.