بقلم الاستاذ : مصطفى أمجكال
صوت العدالة

في عالم الرياضة و خاصة فنون الحرب بقدر ما يعد الهجوم إثباتا للقوة و السيطرة بقدر ما يكون قاتلا للمهاجم لأن تركيزه حينها على القوة لا على التقنية ، و هذا بالضبط ما يقع لمجموعة من الباحثين في قضايا نقد التاريخ و التراث بصفة عامة . 

والأستاذ رشيد أيلال لم يكن بمنأى عن هذه المعضلة حين حاول نفي وجود الخليفتين ابي بكر و عمر رضي الله عنها استنادا إلى عدم وجود وثيقة تاريخية تدل عليهما.  و سوف أحوال من خلال هذه الأسطر القليلة مناقشة هذا الموضوع من خلال كتابه المثير للجدل صحيح البخاري نهاية أسطورة.

حينما ناقش الاستاذ رشيد صحيح البخاري و حاول بكل الأدلة المتاحة لديه أن ينفي علاقة الكتاب بصاحبه البخاري رحمه الله استند في ذلك إلى دراسة تاريخية همت مجموعة من المخطوطات الموثقة كما أكد الباحث لنفسه  والمنسوبة إلى تلاميذ تلاميذ البخاري حيت أقر انها نسخ مختلفة و غير متطابقة … لكن في الأصل هو يقر بوجودها و ناقشها ، مما يعني أنها وثائق و مخطوطات صحيحة . و المتصفح لكتاب صحيح البخاري نهاية أسطورة في الفصل الذي عرض فيه صور المخطوطات و التعريف بها سوف يجد في أول مخطوط بالضبط ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، و فيما يليه من المخطوطات يوجد ذكر هذا الخليفة كأحد رواة الحديث . 

لم يكتفي الاستاذ بعرض المخطوطات،  بل كان عصر الخليفتين ابي بكر و عمر رضي الله عنهما عصرا ذهبيا في الاحتجاج على رواية الحديث و تدوينه بالنسبة للباحث،  حيث أكد أن عمر رضي الله عنه كان حازما و متشددا في الرواية الحديثية بل انه كان قاسيا على أبي هريرة و معاتبا عليه كثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،  و هذه من الأدلة الدامغة التي احتج بها الباحث على خصومه أصحاب الرواية . 

من خلال هذه الملاحظات البسيطة و التي يمكن لأي مطلع على الكتاب أن يعثر عليها يبرز السؤال الأهم : هل كانت كانت شخصية ابو بكر و عمر حقيقية عندما احتاجها الباحث للرد على خصومه ثم صارت بعد ذلك وهم ووخيال ؟ و إذا كان الأمر كذلك هل يصير خصوم رشيد أيلال على حق وان رواية الحديث كانت منشرة زمن النبوة و بعدها لعدم وجود من يعارض الذي هو عمر الفاروق ؟ 

هل سنعرف في القادم من الأيام نسخة منقحة و محققة لكتاب صحيح البخاري نهاية أسطورة خالية من ذكر روايات عن أبي بكر و عمر رضي الله عنهما باعتبار أنهما كانا مجرد خيال في وجدان الأمة فقط؟  

هذا من جهة الكتاب ، أما من جهة البحث العلمي الرصيد المعتمد على قواعد العلم فيمكن القول أن الباحث في هجومه على الخليفة ابي بكر و عمر لم يكن موفقا بالمرة باعتبار عدة عوامل .

أولا :  الهجوم المقترن بالجزم القاطع ، و هذه معضلة خطيرة جدا لا يمكن للباحث أن يغامر و يقامر بمساره الفكري إلا إذا علم علم اليقين انه مسح مخطوطات الدنيا مسحا شاملا و بكل اللغات القديمة و الحديثة ..و هذه مسألة لا أظن أن الأستاذ أيلال يدعي تحقيقها ، لذلك سيكون مضطرا للرجوع عن صيغة الجزم بأن أبا بكر وعمر مجرد خيال  قد فعل ذلك بتحفظ شديد .

ثانيا : كيف نرهن وجود الشخصيات التاريخية بوثيقة ؟ ثم إن وجدت هذه الوثيقة فما مدى صحتها علميا؟ ثم لماذا نصدق وثيقة أجنبية تخبرنا عن قائد عربي اسمه عمر بن الخطاب وجد في بلاد قرب تركيا حاليا و لا نصدق وثائق اعتمدها الباحث نفسه في كتابه تعزز مشروعه في نقد صحيح البخاري؟  باي معيار يضبط الباحث صدق وثيقة و كذب وثائق؟  

ثالثا : الباحث رشيد أيلال يقر اقرارا تاما بحجية التواتر المعنوي أو الاجتماعي الذي يعتبر دليلا قويا في نقل الأخبار و الأحداث و العبادات،  فهو حين يسأل مثلا عن الصلوات الخمس و عدد الركعات يقول لسنا بحاجة إلى نصوص حديثية لاثبات الصلاة و صفتها لأنها نقلت إلينا بالتواتر العملي و هو نقل الكافة عن الكافة بحيث يستحيل تواطؤهم  على الكذب ، إذا كيف نعتقد بحجية التواتر في إثبات العبادة و لا نحتج به في إثبات وجود شخصيات محورية في تاريخ الإسلام؟ بل كيف توجد العبادة اصلا بانتفاء وجود القائم بها ؟! 

رابعا: لماذا ابو بكر و عمر؟ 

انها نفس قصة صحيح البخاري نهاية أسطورة،  فما يسري على البخاري يسري على غيره من الكتب ممن هم دونه قداسة عن المسلمين،  فنفي وجود الخليفتين ابي بكر و عمر رضي الله عنهما بحجة عدم وجود وثيقة تاريخية تدل عليهما يلزمه بالضرورة القول بانتفاء وجود عثمان بن عفان و علي بن ابي طالب و عائشة و خديجة و حفصة و القائمة طويلة جدا !!. فهل يعني هذا أن جيل الصحابة قاطبة جيل مشكوك في وجوده و في الأحداث التي وقعت فيه من غزوات و سرايا و فتوحات و حج و عمرة و غيرها  ؟ 

و أخيرا : لماذا كل هذه الأسئلة؟ 

ببساطة شديدة لأنها مشروعة في ظل المقدمات الضعيفة و المضطربة التي بدأ بها الباحث رشيد أيلال هجومه على أبي بكر الصديق و عمر الفاروق رضي الله عنهما .