– عبد الجليل الجعداوي

الصحافة القضائية المختصة هي جنس صحافي جديد أصبح يدرس في كبريات معاهد الإعلام الأجنبي، فهي تتطرق لنشاط السلطة القضائية بمختلف مكوناتها وتجعل منه مشتلا حيويا لحواراتها وتحقيقاتها و روبورطاجاتها وتغطيتها الصحفية غايتها في ذلك خدمة المواطن والرأي العام وتامين حقه في الولوج إلى المعلومة القانونية والقضائية بما يعزز ثقته في القضاء والعدالة المغربية التي تعتبر عماد وأساس كل إصلاح منشود لمنظومة العدالة. لكن هذا الحق في تمكين الجمهور من الخبر يصطدم بحقوق اكبر منه أهمية حينما يتعلق الأمر بالمعلومة القضائية وما تستوجب من حماية الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات وسرية الأبحاث وقرينة البراءة ،ورغم أن قانون الحق في الحصول على المعلومة، الذي يترجم إحدى التزامات دستور 2011، سيدخل حيز التنفيذ في مارس 2019، بعدما نُشر في الجريدة الرسمية ينص على انه “يحق لكل شخص، طبيعي او معنوي، الوصول إلى المعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارة والاطلاع عليها، وفقا لأحكام هذا القانون، مع مراعاة عدم الإساءة في استعمال الحق”،فان المادة الخامسة منه المتعلقة بالمستندات غير القابلة للاطلاع تتطرق في فقرة منها إلى “وقائع التحقيقات قبل تلاوتها في جلسة علنية، والمحاكمات السرية، والمحاكمات التي تتعلق بالأحداث وبالأحوال الشخصية “…
كما نسجل بارتياح مبادرة رئاسة النيابة العامة من خلال تعين رئيسها السيد محمد عبد النباوي لمستشار مكلف بالصحافة والتواصل، وهو ما يبين تلكم الصورة الجلية الأبعاد التي لا يمكن إلا أن نثمنها..
ولتوضيح حدود العلاقة بين الصحافة والسلطة القضائية نسوق رائيا للأستاذ عبد السلام اعدجو القاضي رئيس النيابة العامة باستئنافية خريبكة نظرا لثقافته القانونية الواسعة وخبرته في المجال،
وهكذا وفي إطار إلقاء الضوء عن حدود هذه العلاقة أكد الاستاد عبد السلام اعدجو ان علاقة الصحافة والإعلام عموما بالسلطة القضائية، هي علاقة جدلية على اعتبار انه إذا كان دور الصحافة يقتضي تمكين الجمهور من حقه في الحصول على المعلومة أو الخبر كحق من حقوق الإنسان في كل ما يهم مناحي تنظيم حياته في مختلف المجالات والميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، و أن هذا الدور يصبح دقيقا ومعقدا عندما يتعلق الأمر بالمعلومة القضائية الموجودة حصرا لدى السلطة القضائية المؤتمنة بحسب الدستور نفسه على حماية الحقوق والحريات الأساسية للإفراد والجماعات وقرينة البراءة ومفروض فيها الحياد والاستقلال في مواجهة باقي السلط وخاصة سلطة الإعلام وحماية سرية الأبحاث وقرينة البراءة المنصوص عليهما في المادتين 1 و 15 من قانون المسطرة المدنية، وهذا لا يعني حرمان الجمهور والرأي العام من الحصول على المعلومة القضائية، ولكن وفق ضوابط قانونية تحمي سرية الأبحاث وفي نفس الوقت قرينة البراءة المخولة للمشتبه فيهم أو المتهمين إلى حين صدور أحكام قضائية بالإدانة في حقهم مكتسبة لقوة الشيء المقضي به .
وأضاف الأستاذ عبد السلام اعدجو الوكيل العام باستئنافية خريبكة انه ودون الخوض في التفاصيل القانونية التي قد لا يسمح بها المقام فيما يتعلق بقيود نقل الخبر الصحفي الواردة في قانون الصحافة وقانون المسطرة الجنائية وقانون الاتصال السمعي البصري، تجب الإشارة إلى انه من الناحية الواقعية تعتبر العلاقة بين الإعلام والقضاء اليوم في أحسن أيامها بدليل عدد الندوات التي نظمت في هذا الشأن على مستوى كل من وزارة العدل والحريات وبمناسبة أشغال الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة وكذا محكمة النقض، كما انه يكفي مراجعة الموقع الالكتروني لوزارة العدل والحريات للوقوف على حجم البلاغات الصادرة في هذا الشأن في سبيل تنوير الرأي العام بشان القضايا الرائجة، كما أن محكمة النقض قامت بدورها بإحداث منصب قضي الاتصال، وتصدر عن السادة الوكلاء العامين للملك أحيانا بلاغات حول قضايا معينة. إذن من ناحية الممارسة ليس هناك مشكل.
وأكد الأستاذ عبد السلام أعدجو ان هناك فقط وجود فراغ قانوني فيما يخص ضوابط نقل المعلومة القضائية من قبل القضاء لوسائل الإعلام، وقد تنبهت إليه وزارة العدل والحريات بمناسبة صياغتها لمسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية التي طرحت للنقاش العمومي أخيرا حيث ورد في الفقرة الثالثة والرابعة من المادة 15 منها ما يلي:
“غير انه يجوز للنيابة العامة وحدها اطلاع الرأي العام على القضية والإجراءات المتخذة فيها دون تقييم الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص المشتبه فيهم أو المتهمين. يمكن للنيابة العامة أن تأذن بذلك إلى الشرطة القضائية”.
ويرى الأستاذ عبد السلام أعدجو أن هذا اتجاه محمود من شانه تذويب الهوة بين علاقة الإعلام بالصحافة والقضاء ، وان كنا نطمح كرجال قانون تحسين وتجويد الصياغة المذكورة لتعبر بشكل واضح عن كفالة قرينة البراءة وسرية البحث استئناسا بموقف المشرع الفرنسي في المادة 11 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي التي تعد أكثر وضوحا. ويقترح الصياغة التالية: “يحق للنيابة العامة تفاديا لنقل أية إشاعات أو أخبار أو أنباء زائفة يمكن أن تمس بالنظام العام أو لوضع حد لاضطراب قائم يمس بالنظام العام، أن نطلع الرأي العام تلقائيا أو بناء على طلب من قضاء التحقيق أو من قبل الأطراف على العناصر الموضوعية للقضية، دون المساس بقرينة البراءة وسرية البحث والتحقيق”
تجدر الإشارة إلى أن جزءا من هذا المقال كان قيد الإعداد للنشر قبل استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل ونقل الاختصاصات الفعلية إليها بتاريخ 07 أكتوبر 2018.