عبد العزيز مرزاق-  دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

لقد كان المغرب سباقا إلى إقرار التعددية الحزبية منذ أول دستور للملكة المغربية سنة 1962، ليتم تكرس هذا النهج مع مختلف الدساتير التي عرفها المغرب المستقل ومن دستور 1962 إلى دستور 2011، بيد أن الممارسة السياسية اعترتها جملة من الشوائب التي تجلت بالأساس في ضعف الديمقراطية الداخلية، والحراك السياسي وتخاذل القوة الإقتراحية للأحزاب السياسية ناهيك عن ضعف تأطير وتمثيل المواطنين، ومن ثمة فالملك محمد السادس أقر سواء في خطبته الرسمية أو من خلال الإجراءات التدبيرية التي تروح لتأهيل الحقل السياسي موظفا مقاربة شمولية، تستهدف تأهيل هذا الحقل عبر إستراتيجية ناجعة مبلورة ملكية تنفيذية ومتضامنة، ويتجلى هذا من خلال الرسائل القوية التي وجهها الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش في اتجاه تكريس حكامة راشدة بشكل فاعل وفعال، الأمر الذي يقودنا إلى التوقف أولا عند مفهوم الحكامة والانتقال الديمقراطي.
برز مفهوم الحكامة مع بداية القرن 18، بيد أنه لم يتم تداول هذا المفهوم بشكل واسع إلا في أواخر القرن 19 مع ظهور المقاولة الصناعية، نظرا للحاجة إلى حفظ التوازن الاقتصادي من خلال نهج المراقبة على المستوى الصناعي، ثم طفا هذا المفهوم إلى السطح من جديد في الخمسينات من القرن الماضي بطرحه من طرف البنك الدولي، وقد برز هذا المفهوم سنة 1981 حيث نرصد من خلال كتابات البنك الدولي البحث عن ممكنات تحقيق التنمية الاقتصادية في الدول النامية خصوصا الدول الإفريقية، ليتم الربط بين تأهيل الإدارة الحكومية والنمو الاقتصادي، وبالتالي الآليات الحكومية للسياسات الاقتصادية لا ينبغي لها أن تبلور سياسات اقتصادية فعالة فقط، بل أيضا ينبغي لها أن تحقق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع، ومع بداية التسعينات بدأ التركيز على الأبعاد الديمقراطية للمفهوم من حيث تدعيم المشاركة السياسية، وتفعيل دور المجتمع المدني الذي يحظى بأهمية خاصة، للإدارة الحكومية أن تنظر في كيفية تطبيق الديمقراطية لحل المشاكل التي يواجهها النظام السياسي فيشمل هذا المفهوم مجموعة العلاقات بين الحكومة والمواطنين، سواء كأفراد أو كمنظومة من المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
والواقع أن بروز هذا المفهوم ما هو إلا انعكاس للتغيير الذي طرأ على طبيعة ودور الحكومة من جهة، والتطور الأكاديمي من جهة أخرى، فعلى المستوى العملي نلمس ظهور العديد من المتغيرات التي جعلت من النظرية التقليدية للدولة كفاعل مركزي في بلورة السياسات العامة موضع شك، فالمتتبع للاتجاهات الحديثة في صنع وتنفيذ السياسيات العامة يلمس حضورا ملحوظا للعامل الخارجي في عملية صنع السياسات العمومية بحيث أصبح للمؤسسات أو المنظمات الدولية ومؤتمرات الأمم المتحدة دورا مركزيا ليس فقط في تدشين نقاش حول السياسات العامة، بل في وضع تصورات جوهرية لبنية ومضمون هذه السياسات.
فمفاهيم الحكامة تشمل: معطى الشفافية، والتزويد بالمعلومات، وحقوق وواجبات ومسؤوليات المسيرين.
وهي آليات تسمح ببلورة إدارة حديثة ومواطنة، إن استحضار هذه الأبعاد الثلاث يقودنا إتباعا إلى تسليط الأضواء على ثلاث مداخل أساسية للحكامة الجيدة يشكل المدخل السياسي أولها والمدخل الاقتصادي والاجتماعي ثانيها ومدخل العدالة ثالثها.
المدخل السياسي: حيث يبرز هنا الحديث عن الديمقراطية التشاركية ودولة الحق والقانون واستحضار فعلي لمبدأ المساءلة والشفافية.
المدخل الاقتصادي والاجتماعي: يرتبط الأمر هنا بالبحث عن مدى تأثير السياسات العمومية على حياة السكان من خلال البحث في معايير ونوعية الحياة والوفرة المادية.
مدخل العدالة المستقلة: تركيز الحكامة بشكل كبير على استقلالية العدالة فقوة الأنظمة الديمقراطية تكمن بالأساس في حضور عدالة قوية.
فالنهوض بالحكامة السياسية تتطلب جيلا جديدا من الإصلاحات يعرف التطور والتجديد مرة بعد أخرى تبعا لتطور المجتمع نفسه، وهنا يجب التأكيد على أن صلاح الحكامة السياسية هو ضمان ونجاح لحكامات الميادين الأخرى، بل تعتبر الحكامة السياسية الرشيدة بمثابة خارطة طريق ترشد جميع الحكامات الأخرى، وتحتضنها وتمدها بالطاقة والفعالية والاستمرارية وليس هذا مقصورا على الصعيد الوطني، بل إن معظم المنظمات والوكالات الدولية والجهوية بدأت تعيد النظر في تعريف مفهوم الحكامة وتجديده ليتسع المجال، ويتمكن بالتالي من قيام تفاعل وتشارك بين كل الفاعلين للإسهام في اتخاذ القرار، وهو ما يعني بناء علاقات متينة بين الدولة والمجتمع، سواء داخل المجتمع أو داخل أجهزة الدولة، أو القطاع الخاص، أو الحكومة المركزية والأجهزة المحلية الخ. وهذا ما يفسر أن معظم المنظمات الدولية والوكالات المتخصصة أعطت تعريفا خاصا بها للحكامة، وبعضها اتخذ من السياسية الإستراتيجية على الخصوص أحد أهدافها كبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، والبنك الأسيوي للتنمية وغيرهما والتي وسعت مفهومها في اتجاه التنمية التشاركية، والتدبير الجيد للشأن العام، وهو توجه يعكس التفكير المشترك للانفتاح على مبادئ الإستراتيجية السياسية والتنمية، غير أن ذلك يقتضي إيجاد نظام يتعايش في إطاره كل الفاعلين العموميين والخصوصيين من أجل جعل العمل العمومي أكثر فاعلية والمجتمع قابل للحكم بسهولة، ومن هنا استعمل مفهوم الحكامة السياسية من طرف منظري العمل العمومي وعلماء السياسة والاجتماع، كأداة ووسيلة لشرعية التدبير السياسي، كما يهتم أيضا بعلاقة الإدارة مع الجسم السياسي وعلاقتهما مع المجتمع ومع العالم الاقتصادي، إنها نظرية الضبط الاجتماعي الذي يشمل مستويات عدة.
من هذا المنظور فإن الاتحاد الأوروبي له رؤية أكثر اتساعا لمفهوم الحكامة إذ أدمج عدة مظاهر سياسية فيه مثل حقوق الإنسان والديمقراطية وإصلاح الإدارة…الخ.
لذلك فإن مجال الحكامة السياسية واسع جدا يتجلى في مظاهر شتى ابتداء من الدستور والمؤسسات والهياكل الدستورية والقوانين، مرورا باحترام مبدأ فصل السلط وتكريس دولة الحق والقانون وصولا إلى احترام الحريات الأساسية الفردية والجماعية للمواطنين وإشراك كل الفاعلين من مجتمع مدني وجمعيات ومقاولات ونقابات وغيرها في اتخاذ القرار.
ومن هنا يمكن أن نطرح السؤال التالي، هل الحكامة السياسية تحقق لنا الانتقال الديمقراطي؟ ومن خلال هذا السؤال لا بد أن نتوقف عند مفهوم الانتقال الديمقراطي والمراحل التي يمر منها. فالانتقال الديمقراطي هو مسلسل سياسي يروم إلى توقيف القواعد الأوتوقراطية وتعويضها بأخرى ديمقراطية، فهو يجسد لحظة المرور من نظام سياسي مغلق إلى نظام آخر مفتوح، ويطرح هنا دور المؤسسات لفهم سقوط الأنظمة الاستبدادية وتدعيم اشتغال الأنظمة الديمقراطية، أي بمعنى مدى قدرة الدستور على شرح عملية التحول والتدعيم الديمقراطيين، للرفع من التطور الذي يعرفه النظام السياسي المغربي.
فالانتقال الديمقراطي يفيد أن الدول والشعوب يكونان أمام كيفية جديدة لوعي المجال السياسي، وأمام أسلوب جديد لممارسة السياسة وللسعي إلى السلطة. لأن عملية الانتقال الديمقراطي لا تتم خارج التعاقد الدستوري الذي يرسم مؤسسات هذا الانتقال وضوابطه وضماناته وإلا أصبحت مكتسباته معرضة للتراجع وهذا ما جعل الكثير من الباحثين يتحدثون عن ضرورة إيجاد دساتير للانتقال الديمقراطي.
إن الانتقال إلى الديمقراطية يمر بأربع مراحل كما صاغها “رستو” في عام 1970 وهي:
المرحلة الأولى: هي مرحلة نشوء اتفاق عام حول الهوية الوطنية وشبه إجماع بقبول الحدود السياسية للبلد المعني.
المرحلة الثانية: بروز صراع أو مسالم بين شرائح اجتماعية أو طبقات داخل الكيان السياسي الجديد بين الصناعيين وملاك الأراضي، أو الطبقة المتوسطة والفئة الحاكمة. وقد يؤدي هذا الصراع إلى انتصار كاسح لشريحة معينة مما يغلق الباب أمام التقدم نحو الديمقراطية أو ينتهي بنشوء توازن اجتماعي جديد.
المرحلة الثالثة: إذا انتهى الصراع إلى توازن اجتماعي حيث إن ميزان القوى تظل غير محسوم لمصلحة فئة ضد أخرى، يرتدي القرار السياسي في هذه اللحظة التاريخية أهمية قصوى، أي تبدأ أطراف الصراع في ظل ميزان القوى غير المحسوم إلى عقد الصفقات، والتوصل إلى حلول وسطى، وتتبنى قواعد اللعبة الديمقراطية التي تضمن لكل طرف حصة ما في النظام السياسي، وعادة ما يكون هذا القرار قائما على حسابات عقلانية للخسائر والأرباح.
المرحلة الرابعة: فيها يظل مستقبل الديمقراطية متأرجحا، إذ أن عقد الصفقات والحلول الوسطى قد يأتي بنتيجة ضغوط قسرية ترى بعض الأطراف ضرورة الخضوع لها وليس نتيجة قناعة نهائية تتبنى الديمقراطية كحل مفضل غير أن القواعد الديمقراطية التي قادت إلى الحل الوسط قد تتحول تدريجيا إلى ممارسة يومية وتصبح عرفا اجتماعيا، وإذ استمر الخضوع لهذه القواعد إلى أجل يتيح حلول نخبة جديدة محل النخبة القديمة، فإن الديمقراطية تعبر تجربتها الأولى وتنتقل إلى تعزيز وجودها في المجتمع.
فإن رصد بدايات الانتقال تختلف من بلد لآخر ومن تجربة لأخرى، نجد بان الانتقال الديمقراطي بالمغرب، فانه لا يمكن إلا أن يكون مسارا إراديا، فنجاح هذا الانتقال يشترط قبل كل شيء وجود إرادة للتحول لدى المؤسسات السياسية. التي تتجلى في الإصلاحات الدستورية التي جاءت لإعطاء الأساس للبنية السياسية للمغرب على مدى حقب من الزمن، إضافة إلى ذلك أن النظام السياسي المغربي مرتبط بمسالة تحقيق انتقال ديمقراطية، وذلك بتبني المسلسل من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومؤسساتية.