إن أزمة المثقف المغربي والعربي هي أزمة ثقة بالنفس وأزمة غياب حرية التعبير وأزمة دونية اجتماعية أكسبتها إياه الأنظمة المتعاقبة وأجهزة القمع المخزنية التي لا تقبل الاختلاف ولا تؤمن بالتغيير، ويبدو هذا جليا في ندواتنا العلمية التي تغيب فيها الكلمة الحرة والرأي الحر، بل يكون أكثر جلاء حين نشاهد مثقفا مغربيا على قناة من القنوات حيث يتراءى متلعثما هزيلا، كما قال أحد الساخرين: «إن المثقف العربي حين يقف أمام جهاز الكاميرا تتزاحم الكلمات في حلقه فيبدو كدجاجة طاردها ثعلب فنتف ريشها»، وهذا ما يجعلنا نشك في قيمة ذلك المثقف وفي ما قرأناه له ويسقط بذلك في قول القائل: «أن تسمع بالمعيدي خير لك من أن تراه»

فالمثقف المغربي – باستثناء القلة النادرة – لم يواصل المسيرة التي كان عليه ان يعبرها بسهولة ويسر لو هو منح لفكره متسعا من الاستعداد والعزيمة والارادة ، وما كان ليستعصي امر مهما بلغ حجمه او جسامته لو اتخد له العدة اللازمة ، واذا كنا نقاسي اليوم وبمرارة ركودا ثقافيا عنيفا يظهر بوضوح اكثر في ازمة القاريء الذي يكاد ينعدم بحيث لا نصادفه الا في تلك القلة القليلة من الناس ، الذين مافتئوا يرجعون الى الكتاب باعتباره خير تعزية لما يحيونه على الحاضر من تدهور الفكر ، ويتخدونه نافدة يطلون من ورائها على العوالمالتي مضت لعلهم ينسون كابة هذا العالم بعد ان عاش العربي فيما قبل جاهدا دون هوادة لبذر الوعي الفكري في مختلف القارات ، فاذا كنا نعاني اليوم من هذا الركود الفكري الممض ، فان اهم الاسباب في نظري تبدو في عدم اعطاء اللغة العربية ماتستحقه من العناية المطلوبة وذلك بتطويرها باستمرار حتى تتلائم مع الزمن الحاضر الذي لايقبل المهلة او الانتظار ، وتحقيق ذلك ينبغي ان يتوفر لدينا الاعتراف الكافي بمكانة هذه اللغة ثم الاعتزاز بها مع الايمان بمدى قدرتها على التطور والتكيف حتى تؤدي دورها كما يرجى لها لا كما يريد اعداؤها ، لان الايمان بالشيء اذا ما لامس حواشي القلب وتركز في العقل لابد وانه يزيل تلك العقد المتراكمة على افئدتنا الجاثمة على صدورنا ، والمستعمر كان وحده في البداية من اهم العوامل والاسباب التي خلقها لتبقى سيطرته مستمرة واغلاله في عقولنا محكمة حتى وان رحل بجيوشه عن ارضها ، ولنظل له دائما عبيدا خاشعين خاضعين ويكون هو في الاخير من فاز بالصفقة ، وكسب الرهان ، لاننا انذاك قد فقدنا كل ثقة بانفسنا لاأننا سنقلده في كل شيء وعندئد سنتحلل تدريجيا من قيمنا ومبادئنا التي تنبني عليها شخصيتنا وهذا ما يريد عدونا ان يستدرجنا اليه لان تمة يكمن انتصاره الحقيقي الذي ينشده دون مال او هوادة.

أزمة الثقافة هذه، هي التي جعلت المثقف في المغرب غير مؤثر لا في السياسية ولا على المجتمع. الإرهاصات الني شهدناها في الستينات والسبعينات والتي كا فيها مثقفون يؤثرون في الجامعة وسوق الأفكار وعلى رجال السياسة صارت في خبر كان الآن. توارى دور المثقف وأصبح يغرد في واد بينما المجتمع في واد آخر. أضف إلى هذا أن الإشعاع الدولي للمثقف المغربي هو شبه منعدم، وذلك لأن المؤسسات أهملته على عكس ما يقع في كثير من بلدان الجنوب، ولأنه لم يواكب قضايا العصر ووسائله في التواصل ولأنه أصابه الإحباط نتيجة تبخر أحلام الثورة والتغيير ونتيجة تواطءالنخبة مع الوضع القائم.

لهذا وجب إعادة النظر في الفعل الثقافي برمته في المغرب. وهذا يقتضي بعد نظر ورؤيا حول دور الثقافة ودور المثقف ومكانة المغرب الثقافية في منظومة القيم الكونية. هذا يتطلب وجد تصور مشتقبلي وتدبير استراتيجي ووضع أسس صناعة ثقافية متينة وتخصيص الموارد اللازمة للنهوض بكل أشكال التعبيرات وتحصين التراث وتثمين الفضاءات وصقل كفايات الفاعلين والرواد والمؤثرين والشباب والمجموعات المتعددة…لا تنمية بدون ثقافة، ولا هوية بدون ثقافة، ولا مستقبل دون فعل ثقافي فاعل، ناجع، متجدر، ناقد ومنتقد، ولكنه مستقل وقوي.